استمرار الانقلاب يفرز تداعيات نفسية مؤلمة في اليمن

فرض تفاقم سوء الأوضاع الاقتصادية في اليمن، واستمرار أزمة انقطاع الرواتب للشهر الرابع على التوالي، والتعقيدات المعيشية المتصاعدة، جراء استمرار الانقلاب، وتأخر الحسم العسكري- تداعيات نفسية ومجتمعية غير معهودة، اختزلت في تفاصيلها الدراماتيكية حالة من الإحباط الجماعي لدى اليمنيين.
ولجأ العديد من النخب الأكاديمية والثقافية والتربوية والمجتمعية في العاصمة صنعاء والمحافظات الرئيسية الأخرى، التي لا تزال تخضع لسيطرة الميليشيات الانقلابية إلى خيارات اضطرارية، كحلول وبدائل مؤقتة؛ لتوفير مصادر آمنة للدخل، بعد تراجع سقف التفاؤل في انفراج قريب لأزمة انقطاع الرواتب الحكومية.
في معمل محلي لصناعة الطوب الأحمر بشمال صنعاء، يجلس الدكتور عبدالغني أحمد الشرجبي، أستاذ علم المحاسبة بكلية التجارة بجامعة صنعاء، على مكتب صغير يتوسط غرفة ضيقة؛ ليراجع حسابات المعمل المتواضع، الذي التحق بالعمل فيه كخيار اضطراري، بعد تعثر محاولاته وزملائه من الأكاديميين بالجامعة ممارسة ضغوط على سلطة الأمر الواقع الانقلابية، من خلال التهديد بالإضراب الشامل؛ للحصول على مرتباتهم المنقطعة منذ أربعة أشهر.


واعتبر الشرجبي الذي لم يجد حرجاً في الكشف عن طبيعة عمله الاضطراري الجديد، في تصريح ل«الخليج»، أن العمل في معمل محلي لصناعة الطوب الأحمر، مثل الخيار المتاح والأقل كلفة من الانتظار المحبط لانفراج أزمة انقطاع الرواتب، مشيراً إلى أن ممارسة ضغوط من قبيل الإضراب والاعتصام في حرم الجامعة، كوسيلة متحضرة للحصول على الحقوق المالية المنقطعة، لم تجدِ وقوبلت من السلطة الانقلابية بالعنف، من خلال إطلاق التهديدات، واحتجاز عدد من الأكاديميين وأساتذة الجامعة، الأمر الذي حسم معه قراره بالبحث عن خيار أقل مجازفة من التصدي لميليشيات تمارس العنف كجزء من ثقافة مترسخة.
بين شارع «التحرير» بوسط صنعاء، وحي حدة السكني بجنوبها، يقضي عبدالرحيم محسن سالم القاضي، وهو موجه بوزارة التربية والتعليم، ساعات طويلة يومياً خلف مقود سيارته الصغيرة، التي اضطر لتحويلها إلى «تاكسي أجرة»؛ لتأمين مصدر للدخل، عوضاً عن راتبه الحكومي المنقطع منذ أربعة أشهر.
وأشار الموجه التربوي البالغ من العمر 58 عاماً، بالكثير من الأسى في تصريح ل«الخليج»، إلى أن العمل كسائق لتاكسي مثل الخيار المتاح، كونه يمتلك سيارة خاصة، واضطر لتغيير لونها وبياناتها في إدارة المرور؛ لتتحول إلى تاكسي أجرة، ويتحول هو من موجه تربوي إلى مجرد سائق لها.
وأفرزت حالة الانسداد الاقتصادي التي فرضها الحوثيون كواقع قائم ومستمر، جراء مواصلتهم تبديد موارد الدولة ونهب المال العام، تداعيات أكثر حدة، من قبيل لجوء بعض النخب المجتمعية إلى خيارات قسرية صادمة من قبيل الانتحار، كحل أخير لوضع حد لمعاناة بدأت في ذات اليوم المشؤوم، الذي اجتاحت فيه الميليشيات الانقلابية العاصمة، ولا تزال مرارتها متواصلة، في ظل انحسار محبط لفرص التوصل لتسوية تبعث على بعض الأمل المفقود.
وشهدت مديريتا «قعطبة والراهدة» في محافظة تعز حالتي انتحار منفصلتين ومتزامنتين لمعلمين في مدارس التعليم الأساسي؛ جراء تفاقم الأوضاع المعيشية، بسبب انقطاع الراتب، فيما سجلت العديد من حالات الانتحار المماثلة في محافظات الحديدة وعمران وذمار، في حوادث مؤلمة اختزلت مشهد التداعيات النفسية الناجمة عن حالة من المراوحة وانسداد الأفق. -

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص