شارع المطاعم في صنعاء: مُلهِم المُبدعين و مُلتقى «المهزومين»

بقيت صنعاء تفتقد لشارع أو ناصية أو حتى زاوية يتعارف عليها ناسها وتقصدها النُخب والعوام لتناول الوجبات الشعبية واحتساء الشاي كوجهة يومية عامة، مثل كثير من مُدن الدنيا، حتى عام 2011 وكأن تأزم الحياة في اليمن كان السبب وراء إعادة الاعتبار للوظيفة الثقافية للمكان داخل هذه المدينة؛ من خلال ما بات يشهده شارع المطاعم العَدنية (ميدان التحرير ـ وسط المدينة) من احتفاء متصاعد أصبح معه مقصداً يومياً شهيراً يحرص على ارتياده شخوص من مختلف الفئات والشرائح والمهن، وتحتضن ساحته لقاءات ثقافية، وتختزل يومياته حكايات من المعاناة اليمنية. يقع هذا الشارع في حيّ اشتهر بالعديد من المطاعم والمقاهي في الخلفية الجنوبية لميدان التحرير؛ إلا أن هذه المطاعم والمقاهي تجمّعت وتكدست في شارع صغير اُشتهر باسم (شارع المطاعم العَدنية) نسبةً لما تقدّمه مطاعمه ومقاهيه ذائعة الصيت من وجبات عَدَنية المذاق. 
وربما يرجع تصاعد شهرته، حتى أصبح أكثر مزارات المدينة ارتياداً في السنوات الأخيرة، إلى موقعه وتعدد وتنوع مطاعمه ومقاهيه ورخص أثمان وجباته وشهرة بعضها، وغيرها من الأسباب التي جعلت منه – في مرحلة تأزمتْ فيها الأوضاع المعيشية للبلد- مقصداً للكثير؛ وهي المرحلة التي صار فيها الناس في هذه المدينة يشعرون بحاجة ماسة لمكان يجمعهم ويأتمنونه على حكاياتهم في أوقات فراغهم التي أصبحت طويلة.. ومثل هذا، ربما، أنه مثّل عاملاً مهماً ساعد في إعادة اكتشاف المكان وإعادة الاعتبار لوظيفته الثقافية، التي غابت سابقاً لعوامل كثيرة؛ ونتيجة لذلك تشكل وعي جديد بهذا المكان حتى باتت له، اليوم، مكانته في ثقافة المدينة، لدرجة أنه يمكن القول إن ثمة مكانا في صنعاء يختزل واقعها ومعاناتها الجمعية… ففي هذا الشارع أنت تقترب، كثيراً، من صنعاء ومن اليمن أيضاً. 
على الرغم من ارتباط تسمية الشارع باسم مدينة عدن؛ إلا أن ما يحفل به من تنوع فيما يقدمه وفيمن يرتاده يعكس ما تتميز به صنعاء من تنوع اجتماعي ثقافي ومعاناة اقتصادية سياسية… ونتيجة لذلك فربما وجد الناس في هذا الشارع، خاصة في زمن الحرب، منصة لإعادة الاعتبار لوعيهم (اللاواعي) بالتنوع والتسامح المنشود ربما.

شارع المهزومين

شارع المطاعم العدنية في صنعاء هو شارع صغير لا يتجاوز طوله 100 متر وعرضه 20 متراً، وهو شارع مغلق من جهات ثلاث ومفتوح على جهة واحدة، وهي الجهة التي يدخل منها مرتادوه… وفي هذا الشارع تتراص المطاعم والمقاهي المزدحمة على جانبيه؛ فيما تكتظ ساحته بمطاعم متنقلة تبيع وجبات السحاوق والجبن (أكلة يمنية تعتمد على مخلوط الطماطم ومخلوط الجبن التقليدي) وأرغفة (خبز الطاوة) و(خبز الخمير) وغيرها من الوجبات الشعبية اليمنية زهيدة الثمن التي لا يطيب تناولها إلا مع الشاي، وغالباً في أوقات ما بين الوجبات الرئيسة، بالإضافة إلى ما يُباع من متطلبات أكلات المطاعم الثابتة كالبصل والثوم وغيرها مما يؤكل مع الوجبة الشعبية زهيدة الثمن أيضاً، التي تمثل مطلب كثير من رواد هذا الشارع، الذين هم في الغالب من الفقراء والمعوزين والعاطلين المثقلين بالحزن والخسارة، والذين يجدون، في هذا الشارع، ما يواسي (خساراتهم) فهنا، على الأقل، يلتقون بأمثالهم فتستريح نفوسهم وتهون عليهم خساراتهم، حد تعبير الكاتب وجدي الأهدل في حديثه لصحيفة «القدس العربي» يقول وجدي وهو ممن يهوون ارتياد هذا الشارع بشكل شبه يومي «لقد لاحظتُ أن في هذا الشارع روحاً تواسي الحزانى والمُتعبين من الحياة»، ويشير إلى أن «الذين يأتون إلى هذا المكان هم غالباً أشخاص خسروا شيئاً ما… وحين يجد المرء أمثاله تستريح نفسه وتهون عليه خسارته، إذ بعفوية ودون تخطيط يتقاسم أحزانه مع الآخرين، وحتى دون قول كلمة واحدة. إنه شارع «المهزومين». وليس بالضرورة أن يكون لـ«الهزيمة» ذاك المعنى السلبي، أحياناً يسعى الإنسان إلى «الهزيمة بإرادته ولعل هذا خياره في الحياة».

النميمة الثقافية

لا يقتصر مرتادو الشارع على أولئك (المُتعبين والمُثقلين بالخسارات) فثمة فئات أخرى ترتاده بمن فيهم وزراء وسفراء ورجال أعمال وأعيان وطلاب وموظفون… ويمكن التوقف قليلاً عند علاقة هذا الشارع بالمبدعين والإبداع عموماً؛ فالمبدعون (وإن كانت لهم خساراتهم أيضاً) أضافوا زخماً آخر لهذا المكان، لدرجة تحول أحد مقاهيه الشهيرة، وهو(مقهى مُدهش) إلى ملتقى إبداعي رمزي يومي يقصدهُ كثير من الأدباء والفنانون والصحافيون، دون ترتيب مسبق، فيجدون أنفسهم حول طاولات نقاش يتبادلون الآراء والرؤى، كما يتعرفون ببعضهم بعضا، ويمارسون طقوسهم اليومية فيما يُعرف بـ»النميمة الثقافية» حد تعبير الشاعر محمد القعود، وهو الحضور الذي استغله (القعود) رئيس اتحاد أدباء صنعاء رئيس مؤسسة سبأ الثقافية، وبادر في تنظيم أنشطة ثقافية حول طاولات هذا المقهى؛ الذي شهد توقيع إصدارات وتنظيم قراءات…وعلى الرغم من بساطة وعفوية تنظيم هذه الأنشطة وعدم انتظامها، إلا أنها وصلت، حد تنظيم معرض صور فوتوغرافية احتفائية بأكواب وأباريق الشاي وصُناعه ومتذوقيه كعنوان بارز لهذا الشارع.
هذا الحضور والزخم الإنساني والإبداعي في هذا المكان يرى فيه محمد القعود تعبيراً قوياً عن مدى حاجة صنعاء إلى متنفسات ثقافية مفتوحة مفعمة بروح تقليدية، مشيراً إلى أن «مقاهي هذا الشارع فرضت ثقافة جديدة للمكان الذي صار يرتاده الجميع بمن فيهم النساء»، وهنا يؤكد لـ»القدس العربي» أن «مقاهي شارع المطاعم في صنعاء كسرت قاعدة العيب والعزلة في علاقة أناس هذه المدينة ببعضهم بعضا من جهة وبالمكان من جهة أخرى وبالثقافة من جهة ثالثة».

ناس شارع المطاعم

إلى ذلك تحفل يوميات هذا الشارع بمشاهد وحكايات صار لها تأثيرها وحضورها في العمل الإبداعي، وهو ما بات معه (شارع المطاعم في صنعاء) حاضراً في أعمال إبداعية من خلال قصص ومسرحيات وغيرها من الأعمال التي تروي فصولا من حكايات (المأساة والملهاة) في اليمن مُستلهمةً من يوميات مرتادي مقاهي ومطاعم هذا الشارع. 
وتكفي الإشارة إلى أنه بات من الأدباء من يحرص على ارتياد هذا الشارع دائماً من أجل استلهام واصطياد ما يخدم تجاربهم ومشاريعهم الإبداعية.. ومِن هؤلاء مَنْ استلهم منه وكتب عنه سلسلة قصصية وأعمالا مسرحية.. يقول الكاتب وجدي الأهدل: «شارع المطاعم منجم للحكايات، ومنه استمد ملامح شخصيات أعمالي الأدبية. 
 لقد كتبتُ سلسلة قصصية عن هذا الشارع وعنونتها بـ«ناس شارع المطاعم». كذلك كتبت مسرحية عنوانها «جريمة في شارع المطاعم». وكلا العملين في طريقهما للطبع».

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص