الرئيسية > محلية > حينما ندفع ثمن لحظات السعادة ... ثمنا باهضا من الأحزان ( سميرة نموذجا )

حينما ندفع ثمن لحظات السعادة ... ثمنا باهضا من الأحزان ( سميرة نموذجا )

حينما ندفع ثمن لحظات السعادة ... ثمنا باهضا من الأحزان ( سميرة نموذجا )

لم تتذكر سميرة يوما أنها عاشت لحظات سعادة دون أن تدفع فاتورة باهضة ثمنا لتلك اللحظات تجعلها تعيش أياما وأعواما في دوامة حزن لا تنتهي ..

 

لكنها كانت دوما صابرة مبتسمة متفائلة بان القادم سيكون أجمل وأن العمر القادم لا يمكن أن يحمل سوى الأحزان فقط ...

 

في طفولتها البسيطة الريفية لم تتوقع أن تغادر والدتها هذه الحياة باكرا وتعيش طوال حياتها تعاني اليتم وأشياء كثيرة غيرها , كان عليها أن تتحمل باكرا جدا مسئولية أخويها ووالدها وأعبائهما التي خلفها لها رحيل والدتها فجأة ...

 

وزاد شقاءها حين تزوج والدها من امرأة أخرى بحجة إعفاءها من مسئولياتها تلك لكنه كان ينظر الى حاجته فقط لامرأة أخرى في حياته لا لمن تخفف وطأة اليتم عن أبناءه ..

 

جاءت زوجة الأب لتتقاسم مع سميرة أعباء هذه الأسرة كند وخصم وتعاملت معها معاملة المرأة للمرأة لا لطفلة لم تفهم معنى كهن النساء بعد ..

 

صراع وخلاف وشجار كل يوم بين والدها وزوجته هي سببه وضحيته فقد عاشت سميرة ظروفا أصعب من أن تروى في حكايات الصغار , فساندريلا رغم شقائها لم تعاني نصف ما عانته الفتاة الريفية البائسة ذات الجسد النحيل والهم الكبير والحمل الثقيل , مما دفع بأهل أبيها لتزويجها من أحد أبنائهم وإخراجها من هذا الشقاء ..

 

لم تعرف سميرة القراءة والكتابة إطلاقا بالرغم من أنها تزوجت بمعلم مدرسة ولم تعرف من علوم الحياة سوى أن تكون زوجة مطيعة مخلصة سعيدة بطوق النجاة هذا , وأنجبت أربعة أطفال كانوا لها كل الحياة ..

 

لكن الأحزان لم تمهلها كثيرا ففاتورة تلك السعادة جاءت قاسمة للظهر حينما حل مرض عضال بزوجها فجأة عانت معه لأعوام وانتقلت مع أسرتها الصغيرة للعيش في العاصمة لكي يستطيع زوجها مواصلة العلاج والذهاب من مستشفى لعيادة لطبيب بسهولة أكثر ..

 

لم يمهله فقر المعلم و تردي الأوضاع الصحية في بلادنا كثيرا وكان الموت نصيبه المحتم , وكان الشقاء هو المصير المنتظر لسميرة وأيتامها الأربعة الذين يتموا باكرا كأمهم .

 

ولأنها عاشت وعانت وعرفت معنى اليتم وذاقت مرارة ألمه فقد أنعكفت تربي أطفالها وتدللهم وتحيط بهم وتبذل كل جهدها في تعويضهم عن فقدان والدهم فطلقت الدنيا بما فيها وتركت كل لحظة متعة يمكن لها أن تسعد قلبها وتركت السعادة فقط في رؤية أبنائها سعداء لا يطالهم الهم ..

 

تقربت من كل أقرباءها، إخوتها، حتى إخواتها من خالتها كانت لهم الأم الحنون بعد وفاة أبيها ثم زوجة أبيها ولم يعرف احد من حزنها سوى ابتسامتها ودماثة أخلاقها وفطرتها وبراءتها التي لم تستطع دناءة الدنيا تلويثها ...

 

لم يعرف احد متى تسعد ومتى تحتاج للمساعدة وبما تفكر وكيف تعيش ولكن الكل كان حولها يسعى جاهدا لتخفيف وطأة حزنها وعبء حملها الذي أصرت أن  تتحمله وحدها باكرا ...

 

لم يعرفها احد تتشاجر أو تختصم مع احد لم يرها احد تغضب أو تلاعن أو تشتم وتقذف احد ..

 

لكن الأيام لم تمهلها أيضا للعيش عند هذا المستوى من الألم فالفاتورة لم تدفع بعد كاملة ..

 

جاءت هذه الحرب المأفونة لتحملها وجعا لا يمكن لقلبها المسكين سوى أن يتحمله بصمت تهتز له أقسى القلوب وأكثرها تحجرا ..

 

فقصف صنعاء بصواريخ التحالف العربي الذي تكالب على اليمن الغارق في حرب أهلية طاحنة بمباركة دولية لم تترك سميرة وأسرتها الصغيرة دون أن تكون إحدى ضحاياها دون ذنب ..

 

قرب منزلها الصغير المتواضع من أحد أقرباء المخلوع صالح جعلها تحمل أبنائها وتنزح الى القرية لتعيش معهم وضعا صعبا للغاية خصوصا انه في هذه الحرب بالذات لم يعد هناك مكان آمن حتى في قرية تعتلي أعلى قمة في جبل ريفي بعيد جدا عن المدينة , قررت أن تعود إدراجها لمنزلها مرة أخرى لتفكر في مكان آخر, تنقل أولادها إليه يكون اقل صعوبة في المعيشة وأكثر أمنا لأولادها الصغار, وأصر صغارها أن يعودوا معها ويفكروا سويا.

 

لم يمهلهم قصف التحالف لحظة للتفكير فبعد عودتها بأيام قليلة جدا وفي ليلة حالكة الظلام تم قصف الحي الذي تسكنه سميرة وأطفالها كان صوت الصواريخ قريب جدا واهتزاز بيتهم الشعبي البسيط جراءها كفيل بان أفزعهم ودفعهم لمغادرته سريعا قبل أن يسقط على رؤوسهم ..

 

أمسك أحمد أصغرهم بثيابها متشبثا بها يثق بأنه في مأمن قريب منها وانه لن يفارقها أبدا بتشبثه هذا ..

 

هرولت معهم لفناء المنزل واستغاثت ببيت عمهم المجاور لهم فهو بيت كبير قوي ومتين وسيصمد بالتأكيد أمام كل تلك الصواريخ التي تتساقط عليهم ..

 

وصلوا لباب المنزل مع سقوط الصاروخ الرابع فتح لها الباب ولم تعرف بعدها ما الذي حدث فقد حل الظلام والصراخ وسقطت في عمق لا متناهي وأصبحت غير مدركة تماما لما يحدث ..

 

حينما عادت سميرة لوعيها أدركت أنها نقلت إلى المستشفى شعرت بشيء غريب في وجهها وان عينها اليمنى غير طبيعية وأرادت أن تتحقق من ذلك ففوجئت بان ذراعها اليمنى قد بترت من المرفق تلك الذراع التي كانت تحمي صغيرها احمد لم تنصدم لفقد ذراعها بقدر ما هالها مصير ابنها صرخت بأول كلمة تنطقها سائلة عن ابنها الذي لم يفارق أبدا ذراعها وتلابيبها , هل معقول أن تكون قد فقدته مع ذراعها ؟؟

 

أصر الجميع بأن أولادها كلهم بخير وان احمد مصاب بكسر بسيط وهو في مستشفى آخر ولا يستطيعون إحضاره لها في الوقت الحالي ولا يستطيع التحدث معها.

 

حين زرتها كانت متماسكة مبتسمة خجولة من رؤية الناس لها فاقدة ذراعها وعدد كبير من الغرز تغزو وجهها الذي تصر الابتسامة أن تعتليه بالرغم مما حل به ..

 

أخبرتني أنها راضية بما حل بها وأنها سعيدة لأن أبنائها كلهم بخير،، همست لي أنها تحن لأحمد وتريد رؤيته وفي عينها كان رجاء بأن أطمئنها عليه، أن أزوره واحمل لها صورة له لكن من حولي قاطعوها قبل أن تكمل همسها وتبوح بطلبها.

 

زرتها وأنا منهارة بعد مشاهدتي لصورة ابنها وقد بترت يديه ونصف رأسه ودمائه تسيل دون توقف حتى بعد أن ووري التراب مع أبناء عمه الأربعة ..

 

ماذا أقول لك يا سميرة وكيف احكي لك عن وجع ابنك وعن الرعب الذي عاشه وهو يقطع أشلاء نتيجة سقوط بوابة المنزل عليه وأبناء عمه ... تلك البوابة التي بترت ذراعك المحيطة به ... أخذته بعيدا عنك للأبد ..

 

كيف أخبرك أن أبناءك يعيشون وضعا نفسيا صعبا للغاية وأنهم يموتون رعبا في كل لحظة يسمعون فيها صوت أزيز الطائرات وأصوات المضادات آلاف المرات.. يجرون ويصرخون في هستيريا بحثا عن ملجأ ومكان امن ينادونك برعب ويبكون بقوة يفتقدونك حولهم يريدون عودتك لتحتويهم وتهدئي من روعهم ..

 

من يستطيع أخبارهم بان احمد قد فارقهم للأبد من يستطيع إخبارهم بأن أمهم فقدت ذراعها وتشوه وجهها الذي يرونه دوما أجمل واحن وجه في الدنيا ..

 

سميرة حتى اليوم مبتسمة متفائلة تعتقد أنها وأبنائها قد نجوا بأعجوبة من هذه الفاجعة وان فاتورتها هذه المرة لم تكن فادحة رغم إصابتها بعدد من الأمراض بالإضافة لهذه التشوهات التي سكنت جسدها ..

 

من ستتملكه الجرأة والشجاعة ليخبر سميرة بان احمد قد رحل للأبد ... وكيف ستكون وقع الصدمة عليها هذه المرة؟؟ .. وآي تعويض سينسيها فاجعتها وبأي عذر سيقابلها من كانوا سببا في مأساتها وبأي وجه سيقابلونها عند ربها حين تحتكم له فيما حل بها ؟؟..

 

هل ستظل البسمة قائمة على محياك وهل ستتحملي برضا أيضا هذه الفاتورة ؟؟ أتمنى من كل قلبي أن تكون هذه آخر الفواتير وان ترحل عنك هذه المصائب لمن يستحقها ولمن كان سبب كل هذا البلاء وجرعك الويل أنت وكثير من هذا الشعب المغلوب على أمره وأن تكون فاتورته أضعافا مضاعفة لما يدفعه من أبناء هذا الوطن المكلوم ..