الرئيسية > محلية > ثقة البرلمان اليمني لحكومة بحاح.. «هبة من لا يملك لمن لا يستحق»

ثقة البرلمان اليمني لحكومة بحاح.. «هبة من لا يملك لمن لا يستحق»

ثقة البرلمان اليمني لحكومة بحاح.. «هبة من لا يملك لمن لا يستحق»

 

على وقْع أقدام المليشيات وقعقعة السلاح عُزلت حكومة يمنية وشُكّلت أخرى يرأسها المهندس خالد بحاح. وبناءً على اتفاقات وتوافقات محلية وإقليمية مُدّدت فترة البرلمان اليمني لتبلغ أطول فترة من بين فترات برلمانات العالم؛ وينتهي الأمر بأن يَمنح، الأسبوع الماضي، الثاني الأول، الثقة كإجراء دستوري شابه الكثير من المخالفات.

سبقت الحكومة الجديدة حكومة عُرفت بـ«حكومة الوفاق»، إشارة إلى موافقة كل الأطراف السياسية على تشكيلتها، كانت سلطتها على أجهزة الدولة شبه كاملة بفعل نفوذ حكم صالح الذي استمر ثلاثة عقودٍ ونيف، لكن ذلك لم يشفع لها من أن تُسقَط بالقوة ويُحكم عليها بـ«الفشل».

عقب الإطاحة بحكومة الوفاق أوحكومة محمد باسندوة، تشكلت حكومة عُرفت بـ«حكومة الكفاءات» تحوي خليطاً من وزراء سابقين وآخرين ممن يملكون مؤهلات في مجال الحقيبة التي يتولوها، ووزراء لا يخلون من انتماءات سياسية أو خلفيات أيدلوجية.

يرفض حزب المؤتمر الشعبي العام الذي يرأسه الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح تشكيلة الحكومة الجديدة، وتتخبط جماعة الحوثيين التي تمسك بزمام الأمور في البلاد بين التحفظ على تشكيلتها وتأييدها، إضافة إلى أن الوضع الحالي للبلاد أصعب بكثير مما كان عليها أثناء منح الحكومة الماضية الشرعية؛ ومع ذلك فإن الجميع ينتظر من هذه الحكومة النجاح.

 

البرلمان والحكومة.. من يمنح الشرعية للآخر؟!

وافق البرلمان اليمني الخميس الماضي على منح الثقة لحكومة بحاح، بعد تعنّت كتلة المؤتمر، ذات الحجم الأكبر داخل البرلمان، في وقت يعتبر مراقبون أن هذا الإجراء الذي نص عليه الدستور مجرد عملية إرضاء وانتزاع شرعية من أطراف سياسية لا غير، وفي مقدمة تلك الأطراف حزب المؤتمر الشعبي العام.

ويعلل المؤيدون لهذا الرأي بأن الحكومة الحالية تملك شرعيتها من اتفاق السلم والشراكة الموقع من كل الأطراف السياسية في سبتمبر/أيلول الماضي، عقب اجتياح جماعة الحوثيين للعاصمة صنعاء.

انتهت الفترة الرسمية للبرلمان الحالي في أبريل/نيسان من العام 2009، وتم التمديد له ثلاث مرات أُخريات، مرة باتفاق محلي بين القوى السياسية اليمنية عُرف بـ«اتفاق فبراير» من العام 2009، ومرتين، بناءً على اتفاقية المبادرة الخليجية في العام 2011، ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني 2013.

ووصف مصدر حكومي لـ«مندب برس» إجراء منح الثقة من قبل البرلمان بـ«الشكلي»، وقال إن الحكومة الحالية تستمد مشروعيتها من وثيقة أجمعت عليها كل القوى السياسية وهو اتفاق السلم والشراكة إضافة إلى تأييد ودعم دولي غير محدودين.

بالمقابل شكك نواب في البرلمان، من شرعية الحكومة الجديدة، وقالوا إنها فُرضت بقوة السلاح، في إشارة إلى تشكيلها بناءً على رغبة جماعة الحوثيين المسلحة.

وعبر النواب، وعلى رأسهم رئيسى أكبر كتلتين برلمانيتين النائبان سلطان البركاني وزيد الشامي، عن خيبة أملهما من قدرة الحكومة الجديدة أداء مهامها بالشكل المطلوب في ظل وجود «لجان ثورية» فرضها الحوثيون، وتتدخل في مهام المؤسسات الحكومية.

 البرلمان اليمني يمنح الثقة لـ"حكومة بحاح" الأحد القادم

أزمة الثقة بين السلطتين.. وبوادر انتهاءها

شهدت الأعوام الماضية أزمة حادة بين السلطة التنفيذية ممثلة بحكومة باسندوة وبين السلطة التشريعية ممثلة بالبرلمان، وصلت إلى حد شروع الأخيرة بسحب الثقة من الأولى مطلع العام الماضي، بذريعة أن أعضاء الحكومة يتجاهلون قرارات النواب.

ورافق تلك القطيعة تصريحات إعلامية من الطرفين، تصب جميعها في التشكيك بمشروعية الآخر وضرورة تغييره واستبداله.

وبدأت جذور الخلاف بين السلطتين حين تخاصمت كتل البرلمان ذاتها وانسحبت كتلة أحزاب المشترك في مايو/آيار 2013، احتجاجاً على انفراد كتلة المؤتمر بالقرار داخل المجلس في مخالفة للمبادرة الخليجية التي تقتضي التوافق، حسب قولهم حينها.

وامتدت مقاطعة كتل المشترك جلسات البرلمان لأشهر، إلى مقاطعة مماثلة من قبل الوزراء لأي جلسة تستدعيهم فيها هيئة رئاسة البرلمان على اعتبار أنها جلسات غير قانونية لا تُمثل كل الكتل البرلمانية.

وفي كلا الحالتين كان الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي هو المرجع لحل الخلاف، حيث اقترح في خلاف الكتل البرلمانية فيما بينها إجراء تعديلات في هيئة رئاسة البرلمان ولجانه المختصة يضمن شراكة كتل أحزاب المشترك.

كما أقر هادي في الخلاف بين الحكومة والبرلمان تشكيل لجنة مشتركة تدرس كافة المشاكل وتضع حلولاً لها، ويكون تنفيذها مُلزماً للسلطتين بمعاونة الرئاسة.

بيْد أن تلك الحلول لم ترَ النور بعد، الأمر الذي يرجح عودة الخلافات من جديد سواء تلك التي تنشأ بين الكتل نفسها، أو مع الحكومة التي يمثل غالبية أعضاءها أحزاباً في البرلمان، وإن لم يكن ذلك التمثيل بنفس النسبة التي كانت عليه الحكومة السابقة.

وفي جلسات الحكومة الجديدة التي سبقت منح الثقة، أظهر نواب قلقهم من تجدد هذا الخلاف.

ووجه نواب وعلى رأسهم النائب المؤتمري علي اللهبي أسئلة لرئيس الحكومة تتضمن حجم الأهمية التي ستمنحها للبرلمان.

لكن رئيس الحكومة خالد بحاح، حاول في كلمة ألقاها قُبيل التصويت على منح الثقة، تطمين أعضاء البرلمان بعودة الحكومة لهم عند كل قضية، وبادر بإرسال رسائل إيجابية توحي لهم بأن التفاهم سيسود المرحلة المقبلة.

 

البرلمان اليمني.. نافذة صالح في السلطة

يُرجِع محللون سياسيون الأزمة التي كانت داخل البرلمان ذاته أو كان طرفاً فيها، إلى عرقلة كتلة المؤتمر الشعبي العام ذات الأغلبية المطلقة في المجلس.

وعند العودة بالذاكرة إلى الوراء، سيجد المتابع لنقاشات نواب كتلة المؤتمر بأنها انعكاساً مماثلاً لسياسات الحزب الذي يترأسه صالح، بدءاً بمهاجمة حكومة الوفاق السابقة ووزراء فيها ومروراً بالمطالبة بطرد المبعوث الأممي في اليمن جمال بنعمر والسفير الأمريكي السابق بصنعاء جيرالد فايرستاين، وليس انتهاء بما يجري حالياً من انتقاد للرئيس هادي الذي يتقدم الخلاف مع صالح بشأن مصير الحزب.

وبدا جلياً رغبة الكتلة الاستمرار في تمثيل نفس الدور مع الحكومة الجديدة، حين رفضت منحها الثقة حتى ضمان تجميد عقوبات مجلس الأمن المفروضة على صالح وقياديين اثنين من جماعة الحوثي.

ومن شأن رفض أي كتلة برلمانية، مهما كان صغرها، في هذه المرحلة التي تفرض التوافق، أن تتسبب في تعقيد الأمور على كل المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية، كون سلطة البرلمان الممر الرئيس للاتفاقيات والقروض ومشاريع القوانين الجديدة وتعديلات القوانين النافذة وغيرها، ناهيك عن كتلة بحجم كتلة صالح يمتد سيطرة حزبها إلى أجهزة ومفاصل الدولة الأخرى.

وعلق المصدر الحكومي، الذي طلب عدم ذكر اسمه، على طلب كتلة المؤتمر تجميد الحكومة للعقوبات الأممية بقوله: إن الحزب يعرف بأنه ليس للحكومة الصلاحية في رفض أو تجميد قرار دولي، وأن هذا الخيار مرهون بتوقف الرئيس السابق عن عرقلة عملية الانتقال السياسية.

واعتبر المصدر حديث الحزب عن ذلك مجرد ورقة ضغط وعصا غليظة سيلوح بها صالح في وجه الحكومة بين الفينة والأخرى، خصوصاً في تلك الفترات التي يخسر فيها الحزب مصالحه في الدولة بفعل قرارات تُصدرها السلطات الجديدة.

ولم تسلم الحكومة الجديدة من مشاكل الحزب الداخلية التي يمثل قطبيها صالح وهادي، حيث احتجت الكتلة المؤتمرية على اقتحام مقرات حزبية لها في المحافظات الجنوبية بأوامر من الرئيس هادي النائب المعزول من رئاسة الحزب.

وبناءً على هذه المؤشرات، فإنه من المحتمل ألا تكون حكومة بحاح بمنأى عن سياسات واشتراطات حزب صالح، الأمر الذي دفع بحاح، في كلمة له، إلى دعوة كل الأحزاب السياسية بالوقوف إلى جانب حكومته وعدم جرّها أو الزج بها في الخلافات السياسية.

 

مدى سلامة إجراءات منح الثقة من عدمه

وحتى عند الافتراض بمشروعية الحكومة والبرلمان معاً، فإن إجراءات منح الثقة لا تخلو من مخالفات كبيرة لما ورد في النصوص الدستورية واللوائح الداخلية المنظمة لهذا الشأن.

ففي السابع من نوفمبر/تشرين الثاني اختار الرئيس اليمني عبدربه منصور هادي أعضاء الحكومة الجديدة، وفي العاشر من ديسمبر/كانون الأول قدمت الحكومة برئاسة بحاح برنامجها العام إلى البرلمان أي بعد مرور شهر تقريباً.

في حين أن نص المادتين (85) من الدستور اليمني، و(149) من اللائحة الداخلية، تُلزم الحكومة تقديم برنامجها للحصول على الثقة خلال 25 يوماً من تشكيلها على الأكثر.

كما أن النصاب القانوني لعقد جلسات مجلس النواب، والذي تحدده المادة (71) من الدستور، لم يعد يتوفر في الجلسات البرلمانية منذ فترة سبقت اندلاع الانتفاضة الشعبية في العام 2011.

حيث عقد البرلمان جلسات مناقشة برنامج الحكومة وجلسة التصويت على منح الثقة، بنواب لا يتجاوزون 100 نائب، حسب العد اليدوي لمراسل «مندب برس».

ويتطلب عقد الجلسات حضور الأغلبية المطلقة بما يعادل 50%+1 من إجمالي الأعضاء، أي 151 نائباً، مع الأخذ في الاعتبار 15 مقعداً في البرلمان شاغرة منذ أعوام بعد وفاة ممثليها.

أضف إلى ذلك أن اللائحة الداخلية المنظمة لعمل المجلس لا تسمح ببقاء هيئة الرئاسة أكثر من سنتين فقط، في حين أن فترة الرئاسة الحالية بلغت أكثر من خمس سنوات.

هذه الاختلالات الإجرائية، وغيرها، تُشكك في كل قرارات المجلس السابقة، ومن ضمنها قرار منح الحكومة الجديدة الثقة؛ لكن مبررات البرلمان بتجاهل هذه الأخطاء يرتبط بالمبادرة الخليجية والتسوية السياسية الأخيرة التي تُجمد بعض مواد الدستور وتضع معيار التوافق بين الكتل الممثلة للأحزاب الأهم عند اتخاذ القرارات.

*الصورة أثناء التصويت على منح البرلمان اليمني الثقة لحكومة بحاح (خاص/مندب برس)