خمسة جنود تاهو في صحراء الجوف .. الناجي الوحيد يروي لـ"مندب برس" تفاصيل المأساة (فيديو)

"كل ما تمنيته ودعوت الله أن يحققه لي وأنا تائه في الصحراء، هو أن يصل خبر لأسرتي بأني قد متّ هنا، لأن الضياع يعني أن يظل أهلي وأصدقائي وزملائي يبحثوا عني، ويتعلقوا بأمل عودتي".

 

بهذه الكلمات، تحدث الجندي "محمد يحيى النفيش"، الناجي الوحيد من كارثة صحراء "جعاس" في محافظة الجوف، التي حدثت في النصف الثاني من أكتوبر الماضي.

 

يعجز الجندي "النفيش" عن وصف اللحظات التي قضاها تائهاً في صحراء "جعاس"، وكيف مرّ شريط حياته أمام عينيه، وعايش استشهاد رفاقه الأربعة، حتى تملكه اليأس من احتمال بقاءه على قيد الحياة.

 

يقول محمد لـ"مندب برس": "لا أستطيع أن أصف بشاعة وثقل تلك اللحظات.. كان شعورا مفزعا وأنا ألاحظ حياتي تتسلل من جسدي، وأنفاسي تقرّبني أكثر نحو الموت!".

 

نجا "محمد النفيش" بأعجوبة بعد أن ابتلعته ورفاقه الأربعة الصحراء، كانت رحلة من أجل الراتب، انتهت برفاقه الأربعة في الرفيق الأعلى، بينما قيض الله له الشيخ مبروك هبيليان القادري، وبعض أفراد عشيرته، الذين قاموا بإنقاذه بينما كان على أعتاب الموت.

 

بداية القصة

 

بدأت القصة في يوم 17 أكتوبر 2018، حينما حضرت لجنة صرف إكرامية الملك سلمان لأفراد الجيش الوطني، إلى اللواء 155 التابع للمنطقة العسكرية السادسة، حيث استمرت اللجنة في مقر اللواء ثلاثة أيام، صرفت خلالها الإكرامية للمتواجدين، في حين كان هناك خمسة جنود متواجدين في منطقة صبرين بمديرية "خب والشعف" بالجوف، لم يحصلوا على مكافأتهم، لأنهم حينما قدموا لمقر اللواء كانت اللجنة قد غادرت...

 

يقول "النفيش" لـ"مندب برس"، كانت أحوالنا المادية سيئة، كوننا بلا رواتب منذ عدة أشهر، بحثنا عن حل لكي نصل إلى اللجنة المكلفة بصرف الإكرامية، وبعد أن سألنا قيادة اللواء، أكدت لنا أنه لا حل إلا باللحاق بلجنة الصرف للاستلام، حتى لا تسقط الأسماء نهائيا".

 

قرر "النفيش" ورفاقه الأربعة وهم "الملازم ثاني حمير سراج، وشقيقه النقيب ماهر سراج، والملازم أول عمار جمعان العامري، والرائد عبده سعيد الحكمي"، قرروا اللحاق باللجنة، ركبوا سيارة مملوكة لـ"ماهر سراج"، واتجهوا نحو الصحراء، لكن حينما حلّ الظلام تاهوا في عرض الصحراء، وانقطعت بهم الأسباب هناك.

 

يقول "النفيش" لـ"مندب برس": "بعد ساعات من السير في الصحراء، غاصت السيارة في الرمال، ولم نتمكن من إخراجها، حاولنا كثيرا لكن دون جدوى، قررنا النوم حتى الصباح، وبعد استيقاظنا، قرر كلا من "حمير سراج وعمار العامري وعبده سعيد الحكمي"، أن يمشوا راجلين بحثا عن أي أمل للنجاة".

 

ويضيف: "لأني برجل واحدة، وأمشي بعكازين، فقد انتظرت أنا وماهر سراج عند السيارة، بينما  قرر الثلاثة الآخرين المغادرة، بعد أن اتفقنا على أنه في حال تأخروا عن 5 ساعات فإن ذلك يعني أنهم لن يأتوا، وعاهدونا على ألا يتخلوا عنا، أبدا، وألا يفرقنا إلا الموت".

 

مضى الوقت، حتى وصلت الساعة الثانية بعد الظهر من صباح اليوم الثاني الموافق 18 أكتوبر، ولا أثر لرفاقهم الثلاثة، وحينها قرر "محمد" وزميله "ماهر"، أن يتحركا بحثا عن سبيل للنجاة، فقاموا بإفراغ ماء الراديتر من السيارة لاستخدامه في الشرب، ونظراً لأن "ماهر" كان يعاني من أعراض السكر، فقد شرب الماء في الساعات الثلاث الأولى من مشيهم.

 

يقول "محمد النفيش" لـ"مندب برس": "كنا نمشي ليلاً وننام نهاراً، مزّقنا ثيابنا كي نتقي أشعة شمس الصحراء الحارقة، واستمرينا في المشي لثلاثة أيام أخرى، بحثا عن أمل للنجاة وسط رمال الصحراء التي لا ترحم، وبعدها رأينا جبل صغير في الأفق، فشعرنا أن بإمكاننا العثور على النجدة هناك، ونظرا لأني لا أستطيع مجاراة زميلي في المشي كوني بعكازين، فقد قرر ماهر أن يسبقني نحو الجبل بحثا عن منقذين".

 

صراع مع الموت

 

وأضاف: "غادر ماهر واستمريت أنا بالمشي وراء آثاره لمدة يومين متتاليين، لكني لم أعثر لا على صديقي ولا على منقذين، وحينها فقدت الأمل بالحياة تدريجيا، واستمريت في المشي مترنحا بالعكازين، حتى تقرحت قدمي الوحيدة من لهيب الرمل، كما تقرحت يداي من حمل العكاز والتنقل به كل هذه المسافة، وأصابني الإرهاق والظمأ كوني ظللت أمشي بلا أكل ولا ماء كل هذا الوقت".

 

أوضح "محمد" أنه بالرغم من فقدانه الأمل في النجاة، إلا أن لسانه لم يتوقف عن الذكر والدعاء أبداً، كما أنه تذكر أهله وزملاءه وكل محبيه ومعارفه، وحينما كان يغفوا كانت أحلامه كلها عن الماء، لفرط ما مر به من ضمأ.

 

في اليوم السادس من ضياعهم في عرض الصحراء، وبعد أن فقد أثر زميله الرابع الذي ذهب لاستكشاف الجبل الصغير، أصبح "محمد النفيش" أقرب للموت منه إلى الحياة، حتى أنه كان يتقيأ دما، وغارت عيناه، وبات كل شيء – حسب وصفه – غائما، كأن الكون تحول إلى غبار، وحينها انهمر بعض المطر، ساهم في ترطيب جسدة، وتلطيف الجو، كما حصل على بعض الماء للشرب ما منحه أملا جديدا.

 

 

وجاء الفرج

 

يقول "محمد": "في مساء يوم 23 أكتوبر، كنت أمشي ولدي تفلون إل جي، وضعته في وضع الطيران نظرا لأن التغطية لم تكن موجودة في الصحراء، استمريت في التأشير بمصباح التلفون أملا في أن يلمحني أحد، وفعلا صادف ذلك بعض قبائل بني نوف الذين كانوا يقومون بالبحث عن مواشيهم، وحينها سارعوا لإنقاذي وأعطوني الماء وأخذوني إلى خيمتهم وقدموا لي الأكل، وحينها شكرت الله كثيرا".

 

بعد أن تمالك "النفيش" نفسه، أخبر البدو المنقذين له بقصته ورفاقه الأربعة، وطلب منهم البحث عن زملاءه المفقودين، فقاموا بالبحث طوال الليل، حتى صباح اليوم التالي (24 أكتوبر)، وفعلا عثروا على جثث زملاءه الأربعة الذين قضوا في الصحراء وهم يبحثون عن سبيلا للنجاة، ولم ينج إلا هو من هذه الحادثة المأساوية ليكون شاهدا عليها.

 

يضيف "محمد النفيش"، لـ"مندب برس": "حينما عثر علي البدو كأني ولدت من جديد، لكني حينما عرفت منهم أن زملائي استشهدوا اكتسر ظهري"، مشيرا إلى أن البدو قاموا بنقله إلى هيئة مستشفى مأرب العام، حيث رقد فيه لمدة يومين، لافتا إلى أنه فقد حاسة المذاق لمدة أسبوعين بعد العثور عليه.

 

بعد أن تعافى "محمد النفيش"، قام بالتواصل مع قيادة اللواء 155، والتي بدورها قامت بإرسال بنزين لسيارات البدو التي بحثت عن الجثث، كما قام الشيخ أمين العكيمي، محافظ الجوف، قائد اللواء، بصرف مبلغ مليوني ريال للخمسة الجنود الشهداء والناجي الوحيد "النفيش"، بواقع 400 ألف لكل واحد".

 

تجاهل القيادة

 

يواصل حديثه بحسرة: "ما يحز في نفسي أنه تم تشييع جثث زملائي الأربعة ودفنها، بدون حضور قيادة اللواء 155، وقيادة المنطقة العسكرية السادسة، كما لم يحضروا مراسم العزاء البسيطة التي أقامها زملائنا الجنود، وكأننا كنا مجرد مواشي شردت وتاهت في الصحراء، ولسنا جنودا ضحينا في سبيل الوطن".

 

واستطرد "النفيش" قائلاً: "حتى بعد أشهر عديدة من الحادثة لم يتصل بنا أحد للتعزية أو الاعتذار عن ما حصل للشباب المتوفين، كما لم يتم تشكيل لجنة للتحقيق في من تسبب بهذه المأساة، وكذا التحقيق في تجاهل القضية، علما بأننا لم نجد أي اهتمام حتى اليوم، باستثناء بعض الاتصالات التي وردت إلي من قبل الشيخ أمين العكيمي قائد اللواء، واللواء هاشم الأحمر قائد المنطقة العسكرية السادسة، لكن إجمالا لم نر أي إجراء أو تحقيق جدي، وكأن الشهداء الأربعة ليس لهم أي قيمة، كما لم يسأل أي مسؤول عن أحوالي رغم أني الناجي الوحيد".

 

"النفيش" وجه في ختام حديثه لـ"مندب برس"، رسالة للقيادة والمسؤولين في الجيش الوطني قائلاً: "أنا لا أريد شي لنفسي، أريد أن يتم الاهتمام بأسر الشهداء الأربعة وأن يأخذوا حقهم من الإهتمام، كما أدعو لمعالجة إشكالية صرف الرواتب، حتى لا يتكرر ما حصل معي وزملائي الأبطال الأربعة".

 

وتكشف هذه الحادثة المأساوية عن جانب من معاناة أفراد الجيش الوطني، والتجاهل الذي يتعرضون له، والإهمال واللامبالاة من قبل القيادة العسكرية، في حين أن مثل هذه الحادثة لو وقعت في دولة تحترم جيشها لكانت سببا في إقالة مسؤولين وتحويلهم للمحاكمات.

 

تجدر الإشارة إلى أن الجندي "محمد النفيش" من أبناء قرية الشراقي بمديرية الشغادرة، بمحافظة حجة، انخرط في صفوف قوات الجيش الوطني، بمحافظة الجوف، وشارك في المعارك التي شهدتها جبهة صبرين بخب والشعف منذ بداية الحرب.

 

وقبل عامين، انفجر به لغم أرضي زرعه الحوثيون في موقع الكحيل بجبهة صبرين بمديرية خب الشغف، ما أدى إلى بتر قدمه اليمنى، وهو حاليا يتواجد في جمهورية مصر العربية، لإجراء عملية تحسين لموضع البتر في قدمه اليمنى، استعدادا لتركيب طرف صناعي، حتى يتمكن من المشي مرة أخرى.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص