
لم تكن مأرب بالنسبة للمهندس عبد الله يوسف القطوي مجرد محطة نزوح فرضتها الحرب، بل تحولت إلى مساحة أعاد فيها بناء حياته، واستعاد شغفه بالهندسة، وبدأ منها تجربة ابتكارية انتهت بتطوير نموذج لسيارة يمكن التحكم بها دون وجود سائق داخلها.
القطوي، المنحدر من محافظة ريمة، وصل إلى مأرب بعد أن أجبرته الحرب على مغادرة موطنه ومساره المهني. حاول في البداية مواصلة عمله في مجال السيارات، فافتتح ورشاً ومارس نشاط بيع وشراء المركبات، قبل أن يواجه ركوداً اقتصادياً دفعه إلى إعادة التفكير في مستقبله.
يقول القطوي إن تلك المرحلة قادته إلى قرار العودة للتعليم وتطوير مهاراته، مستفيداً من الإنترنت والتعليم عن بُعد، لتبدأ معها رحلة جديدة في البحث والتجريب.
ومنذ عام 2023، بدأ المهندس النازح دراسة تقنيات السيارات الحديثة، مستلهماً التطور المتسارع في صناعة المركبات، قبل أن ينتقل من البحث النظري إلى العمل التجريبي.
وبإمكانات محدودة، اعتمد القطوي على قطع مستعملة وخردة، وأعاد تعديل محركات وأجزاء مختلفة لتوظيفها في مشروعه، فيما اضطر إلى توفير بعض المتحكمات الإلكترونية القابلة للبرمجة من الخارج.
لم تكن الرحلة سهلة؛ فقد واجه مشكلات تقنية متكررة، من بينها صعوبة التحكم في اتجاه دوران المحركات، وتعرض دوائر كهربائية للتلف خلال الاختبارات، فضلاً عن خسائر مادية وإتلاف عدد من الإطارات أثناء التجارب.
وفي إحدى مراحل الاختبار، فقد السيطرة على السيارة أثناء التحكم بها عن طريق الهاتف، ما أدى إلى صعودها إلى الرصيف واصطدامها بثلاثة أشخاص، في حادثة وصفها بأنها كانت درساً مهماً في ضرورة تطوير أنظمة الأمان والتحكم.
ولا يصف القطوي مشروعه بأنه سيارة ذاتية القيادة بالمعنى المتطور المستخدم عالمياً، مؤكداً أن ما أنجزه نموذج للتحكم الآلي والإلكتروني قابل للتطوير، وأن الوصول إلى قيادة ذاتية متكاملة يتطلب مستشعرات وبرمجيات ومراكز أبحاث وبيئة مرورية منظمة.
غير أن المشروع بالنسبة إليه يتجاوز الجانب التقني، إذ يرى فيه رسالة إلى الشباب اليمني بأن الحرب والظروف الاقتصادية لا ينبغي أن تتحول إلى نهاية للطموح.
ويطمح القطوي إلى تطوير مشروعه مستقبلاً لخدمة الجرحى وذوي الإعاقة، خصوصاً أولئك الذين فقدوا القدرة على استخدام أجزاء من أجسادهم بسبب إصابات الحرب، عبر تطوير أنظمة تمكنهم من التحكم بالمركبات باستخدام اليدين أو تقنيات تحكم عن بُعد.
ويؤكد أن المشروع كان يمكن أن يقطع أشواطاً أكبر لو توفرت له مختبرات متخصصة وتمويل ودعم مؤسسي، مشيراً إلى أنه لم يتلقَّ دعماً من جهات حكومية أو جامعات أو مؤسسات معنية بالابتكار.
وبينما ينظر إلى تجربته باعتبارها محاولة لإثبات قدرة الشاب اليمني على الابتكار رغم الظروف، يحتفظ القطوي بعلاقة خاصة مع المدينة التي احتضنته خلال سنوات النزوح.
ويقول عن مأرب: «أصبحت جزءاً لا يتجزأ مني»، بعدما وجد فيها الأمان والقدرة على استعادة حياته ومواصلة التعلم والعمل.
من ريمة التي غادرها تحت ضغط الحرب، إلى مأرب التي احتضنت بدايته الجديدة، يقدم المهندس عبد الله القطوي تجربة تختصر قصة جيل يحاول أن يبحث عن المستقبل وسط واقع مثقل بالحرب؛ جيل قد تتعطل دراسته، وتتراجع إمكانياته، وتضيق أمامه فرص العمل، لكنه لا يزال قادراً على تحويل ما تبقى لديه من شغف وإرادة إلى فكرة قابلة للتطوير.
ففي تجربة القطوي، لم تكن السيارة هي القصة كلها، بل كانت دليلاً على أن النزوح قد يغيّر المكان، لكنه لا يستطيع بالضرورة أن يغيّر اتجاه الحلم