
أكدت ندوة فكرية نظمها تيار نهضة اليمن في مدينة مأرب، تحت عنوان «فجر اليمن.. اليمنيون بين النكبة السلالية وفجر الخلاص الوطني»، أن استعادة الدولة اليمنية وترسيخ النظام الجمهوري يتطلبان معالجة الجذور التاريخية والفكرية للأزمة، إلى جانب المواجهة السياسية والعسكرية، داعية إلى تجريم العنصرية، وإنشاء هيئة وطنية لحماية الهوية اليمنية، وإصلاح أداء الأحزاب السياسية ومؤسسات الدولة.
وشهدت الندوة، التي شاركت فيها قيادات عسكرية وباحثون وأكاديميون وإعلاميون ومثقفون، تقديم ثلاث أوراق عمل تناولت جذور المشكلة اليمنية، ومسؤولية النخب والأحزاب السياسية في الأزمة الراهنة، والرؤية الاستراتيجية للخلاص الوطني وبناء دولة قائمة على العدالة والمواطنة المتساوية.
وفي الورقة الأولى، استعرض الباحث في تاريخ اليمن السياسي الأستاذ عنتر الذيفاني رؤيته للجذور الفكرية والتاريخية للأزمة، متناولاً مفاهيم الولاية والوصاية والاصطفاء والأفضلية السلالية، وما اعتبره توظيفاً لهذه المفاهيم لتبرير التمييز في الحقوق والسلطة. وشدد على أهمية مواجهة الأفكار التي تتعارض مع المساواة بين المواطنين، وتعزيز الوعي المجتمعي لحماية الهوية الوطنية.
وفي الورقة الثانية، قدم مستشار وزير الدفاع اللواء أحمد شمار قراءة نقدية لمسار التجربة الحزبية في اليمن منذ قيام الوحدة عام 1990، مشيراً إلى أن الصراعات الحزبية وتغليب المصالح التنظيمية والمناطقية على المصلحة الوطنية أضعفت مؤسسات الدولة، وأسهمت في تفكيك الجبهة الداخلية، ووفرت بيئة استفادت منها جماعة الحوثي في الانقلاب على الدولة.
وحدد شمار ستة اختلالات في أداء النخب والأحزاب، أبرزها تحول العمل الحزبي من وسيلة لخدمة المجتمع إلى غاية، والاستقطاب وشيطنة الخصوم، وتعطيل مؤسسات الدولة، والجمود الفكري والتنظيمي، وما وصفه بالاختراق السلالي للأحزاب والمؤسسات، فضلاً عن خطر إقصاء التعددية السياسية لصالح مشروع قائم على مزاعم الحق الإلهي والأفضلية العرقية.
ودعا إلى مراجعة التجربة الحزبية وتصحيح ممارساتها، وتجديد القيادات والبرامج، وظهور نخب سياسية وشبابية جديدة تؤمن بالمواطنة المتساوية وتضع مصلحة الوطن فوق المصالح الحزبية، مؤكداً أن إصلاح الأحزاب لا يعني رفض التعددية، بل تعزيز دورها في بناء الدولة وحماية النظام الجمهوري.
وفي الورقة الثالثة، قدم الأمين العام لتيار نهضة اليمن الدكتور أحمد ردمان رؤية استراتيجية للخلاص الوطني، أكد فيها أن الاكتفاء بمعالجة مظاهر الأزمة دون تشخيص جذورها سيبقي البلاد عرضة لتجدد الصراعات، مشدداً على أن استعادة الدولة ينبغي أن تترافق مع مشروع مؤسسي وفكري وثقافي يحمي الجمهورية ويعزز الاستقرار على المدى البعيد.
ودعا ردمان إلى الاستجابة لتوجيهات رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، والاستفادة من الدعم السعودي، وتوحيد الجهود الوطنية في مختلف الميادين، بالتوازي مع تفعيل مؤسسات الدولة في مواجهة الأفكار التي تهدد الهوية الوطنية ومبادئ المواطنة المتساوية.
وطرح ردمان مقترح إنشاء هيئة وطنية للهوية اليمنية، تتولى إعداد الخطط والبرامج، والتنسيق مع الوزارات والمؤسسات المعنية، ومتابعة تنفيذ السياسات وتقييمها، بما يضمن تكامل الجهود الرسمية في ترسيخ الهوية الجمهورية وتعزيز الأمن الفكري.
كما دعا إلى تفعيل أدوار وزارات التربية والتعليم والتعليم العالي والإعلام والثقافة والأوقاف والإرشاد، وتطوير المناهج والأنشطة التوعوية والثقافية، وسن تشريعات تجرّم العنصرية بكافة أشكالها، وتضع عقوبات رادعة على ممارسات التمييز والترويج للأفكار العنصرية.
وعقب تقديم الأوراق، فُتح باب النقاش والمداخلات أمام المشاركين، الذين تناولوا الأبعاد التاريخية والسياسية والفكرية للأزمة اليمنية، وأكدوا ضرورة الانتقال من معالجة نتائج الصراع إلى مواجهة أسبابه، وتوحيد الخطاب الوطني والإعلامي، وتعزيز التنسيق بين القوى الجمهورية.
وشددت المداخلات على أهمية تجريم الممارسات العنصرية، وتصحيح المفاهيم الثقافية والسياسية، وتفعيل دور المؤسسات التعليمية والإعلامية والدينية في حماية الهوية اليمنية، إلى جانب تجاوز الانقسامات الحزبية التي أضعفت العمل الوطني، وتعزيز الوعي المجتمعي بمبادئ الجمهورية والعدالة والمساواة.
وخرجت الندوة بتوصيات تضمنت إنشاء هيئة وطنية للهوية اليمنية، وسن قوانين لتجريم العنصرية، وتوظيف مؤسسات الدولة في تعزيز الأمن الفكري، وإصلاح أداء الأحزاب السياسية وتجديد النخب، وتوحيد الخطاب الإعلامي والوطني، بما يسهم في استعادة الدولة وترسيخ النظام الجمهوري وضمان حقوق اليمنيين على أساس المواطنة المتساوية.
