
يستعد مجلس الأمن الدولي لمناقشة توسيع العقوبات على مليشيا الحوثي وتشديد الرقابة على شحنات الأسلحة والمكونات ذات الاستخدام المزدوج المتجهة إلى اليمن، في ضوء معلومات جديدة عن تطور قدرات المليشيا على تجميع وتصنيع الأسلحة محلياً، وتقليص اعتمادها على الإمدادات الخارجية، وسط خلافات بين الدول الكبرى بشأن الإجراءات المقترحة.
وكشف تقرير دولي حديث عن تزايد اعتماد الحوثيين على مكونات ومنتجات تجارية وشبكات إمداد متنوعة لتطوير منظوماتهم العسكرية، بينها مواد ذات استخدام مزدوج منشؤها الصين، تستخدم في أغراض عسكرية، من بينها تجميع الطائرات المسيّرة.
ووفقاً لتقرير التوقعات الشهرية الصادر عن موقع "تقرير مجلس الأمن" (Security Council Report)، مطلع نوفمبر الجاري، فإن المجلس يستعد لتجديد العقوبات المالية وحظر السفر المفروضين بموجب نظام العقوبات الخاص باليمن، اللذين ينتهي سريانهما في 14 نوفمبر، إلى جانب تمديد ولاية فريق الخبراء المعني باليمن، المقرر انتهاؤها في 15 ديسمبر المقبل.
ومن المتوقع أن تتناول المفاوضات إمكانية توسيع نطاق العقوبات ليشمل فرض قيود إضافية على توريد المواد ذات الاستخدام المزدوج، وتعزيز إجراءات التفتيش والاعتراض البحري للسفن المشتبه في نقلها أسلحة ومكونات عسكرية إلى الحوثيين، في محاولة للحد من تدفق الإمدادات التي تسهم في تطوير قدراتهم القتالية.
وأشار التقرير إلى أن فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة قدم خلال الأشهر الماضية معلومات وتوصيات بشأن الثغرات التي تسمح بوصول المواد المحظورة إلى اليمن، والتطورات التي طرأت على شبكات الإمداد والتصنيع العسكري التابعة للحوثيين.
وفي 31 أغسطس الماضي، ناقشت لجنة العقوبات تقريرين خاصين قدمهما الفريق، تناول أحدهما تدفق المكونات ذات الاستخدام المزدوج والمواد الكيميائية الأولية إلى اليمن، فيما ركز الثاني على تحسين تبادل المعلومات وتعزيز قدرات الدول التي ترفع السفن أعلامها، لمنع دخول السفن المشتبه في انتهاكها حظر الأسلحة.
وخلصت المناقشات، وفق ما أورده الموقع، إلى أن القدرات العسكرية للحوثيين شهدت تطوراً خلال الأشهر الأخيرة، بالتزامن مع زيادة إنتاج وتجميع الأسلحة داخل اليمن، واتساع شبكات الإمداد التي تعتمد عليها المليشيا للحصول على المكونات اللازمة لتشغيل منظوماتها العسكرية.
كما أشار فريق الخبراء إلى أن نظام حظر الأسلحة القائم لم يعد كافياً لمنع تدفق المواد والمكونات المشمولة بالعقوبات، في ظل تطور أساليب الحصول عليها وتعدد مسارات وصولها.
وفي 22 أكتوبر الماضي، عقدت لجنة العقوبات اجتماعاً جديداً لمناقشة التقرير النهائي لفريق الخبراء وتوصياته، والذي لم يكن قد نُشر رسمياً عند صدور التوقعات الشهرية.
وبحسب المعلومات التي أوردها موقع "تقرير مجلس الأمن" عن مضمون التقرير النهائي، فإن الحوثيين واصلوا تطوير قدراتهم العسكرية بالمخالفة لحظر الأسلحة، من خلال بناء قدرات محلية لتجميع منظومات قتالية، باستخدام منتجات متاحة تجارياً ومكونات يتم الحصول عليها عبر شبكات إمداد متعددة.
وأشار إلى أن هذا التطور مكّن المليشيا من تقليص اعتمادها تدريجياً على الدعم الخارجي المباشر، دون أن يعني توقف حصولها على مكونات أو مساعدات من الخارج، وهو ما يعكس تحولاً في طبيعة الإمدادات العسكرية التي تعتمد عليها الجماعة.
وتبرز خطورة هذا التحول في إمكانية الحصول على بعض المكونات عبر الأسواق التجارية المدنية، قبل توظيفها في تصنيع أو تجميع الأسلحة، ما يزيد من صعوبة تتبعها مقارنة بشحنات الأسلحة التقليدية.
وتشمل المواد ذات الاستخدام المزدوج منتجات ومكونات يمكن توظيفها لأغراض مدنية وعسكرية، الأمر الذي يجعل مراقبة وجهتها النهائية والاستخدام الفعلي لها من أبرز التحديات التي تواجه تطبيق العقوبات الدولية.
مكونات صينية تثير خلافاً داخل مجلس الأمن
وأثار التقرير الأخير لفريق الخبراء خلافاً مع الصين، بعدما تضمن، وفق المعلومات التي أوردها الموقع، إشارات إلى مكونات ذات استخدام مزدوج منشؤها الصين، يستخدمها الحوثيون في أغراض عسكرية، من بينها تجميع الطائرات المسيّرة.
ولا تعني الإشارة إلى بلد منشأ هذه المكونات بالضرورة ثبوت توريدها مباشرة من الحكومة الصينية إلى الحوثيين، لكنها تضع مسارات انتقال المنتجات التجارية وإعادة تصديرها ووجهتها النهائية ضمن المسائل المطروحة أمام لجنة العقوبات.
وخلال اجتماع اللجنة في 22 أكتوبر، شككت الصين، وفق التقرير، في استقلالية فريق الخبراء وموضوعيته، وانتقدت تقريره الأخير، معتبرة أنه يتضمن تناقضات ويفتقر إلى المصداقية وتحركه دوافع سياسية.
وسبق أن أكدت بكين، خلال إحاطة لمجلس الأمن في نوفمبر 2025، اتباعها سياسة حذرة ومسؤولة في صادرات المعدات العسكرية، وفرض رقابة صارمة على تصدير المواد ذات الاستخدام المزدوج، بما فيها الطائرات المسيّرة.
وتأتي الاعتراضات الصينية في وقت تدفع فيه الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا نحو زيادة الضغط على الحوثيين وإيران، من خلال توسيع العقوبات وتشديد عمليات الاعتراض البحري وتعزيز رقابة فريق الخبراء على شبكات الإمداد.
وكانت الولايات المتحدة قد انتقدت، عقب اعتماد قرار تجديد العقوبات في نوفمبر 2025، عدم تضمينه إجراءات إضافية لمعالجة استيراد المواد ذات الاستخدام المزدوج وتهريب النفط وزيادة عمليات الاعتراض البحري.
كما انتقدت عدم فرض تجميد أصول على جماعة الحوثي نفسها، ضمن الإجراءات التي سعت واشنطن إلى إدراجها خلال المفاوضات.
وفي المقابل، تتمسك روسيا والصين بموقف معارض لتوسيع نظام العقوبات، وتعتبران أن ضعف فاعليته يعود أساساً إلى قصور تنفيذ الإجراءات القائمة، وليس إلى الحاجة لفرض قيود جديدة.
وترى الدولتان أن توسيع العقوبات وزيادة الضغوط قد يؤديان إلى تصعيد المواجهات وتعقيد فرص التسوية السياسية، وتدعوان إلى معالجة الأزمة من خلال المفاوضات بمشاركة مختلف الأطراف اليمنية.
ومن شأن هذا التباين بين الدول دائمة العضوية أن يعقّد التوصل إلى اتفاق بشأن أي إجراءات جديدة تتجاوز التجديد الدوري للعقوبات، خصوصاً ما يتعلق بتقييد الواردات ذات الاستخدام المزدوج وتوسيع صلاحيات الاعتراض البحري.
تصعيد عسكري وحصار إنساني
وتأتي المناقشات المرتقبة في ظل تصعيد عسكري واسع في اليمن والمنطقة، شمل هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة على السعودية، وتهديداتهم للملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب، إلى جانب تجدد المواجهات مع القوات الحكومية في عدد من الجبهات.
وكان مجلس الأمن قد أصدر، في 15 أكتوبر الماضي، بياناً رئاسياً أدان فيه بشدة الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية، بما فيها الاعتداءات التي طالت منشآت مدنية ومرافق للطيران والطاقة، وكذلك الهجمات والتهديدات الموجهة للملاحة التجارية في البحر الأحمر وباب المندب.
وطالب المجلس بوقف التصعيد العسكري والهجمات التي تطال المدنيين والأعيان المدنية، داعياً إلى تعزيز التعاون الدولي لمنع الحوثيين من الحصول على الأسلحة والمكونات والمساعدات المرتبطة بالأنشطة العسكرية، بالمخالفة لقرارات العقوبات.
وتتصدر محافظة تعز تداعيات التصعيد الإنساني، بعد أن قطعت مليشيا الحوثي مطلع أكتوبر الطريق الرابط بين المدينة والعاصمة المؤقتة عدن، ما أدى إلى تفاقم الحصار وصعوبة وصول المساعدات والإمدادات الأساسية.
وبحسب تقرير التوقعات الشهرية، تسبب إغلاق الطريق في انقطاع المساعدات الإنسانية عن أكثر من 800 ألف شخص، وسط تحذيرات أممية من اقتراب المستشفيات من الانهيار وتفاقم الاحتياجات الإنسانية.
وأشار التقرير إلى نزوح نحو 258 ألفاً و679 شخصاً، غالبيتهم من محافظتي تعز ولحج، في ظل اتساع المواجهات وتدهور الأوضاع المعيشية وتعطل وصول الخدمات والمساعدات.
وكان مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، فولكر تورك، قد حذر في 20 أكتوبر من أن إغلاق الحوثيين طريق الإمداد الرابط بين تعز وعدن يعرض المدنيين لخطر جسيم، ويمنع وصول المساعدات والسلع الأساسية.
وكشفت المفوضية أنها تحققت من مقتل 32 مدنياً، بينهم 14 طفلاً وتسع نساء، وإصابة 115 آخرين، بينهم 36 طفلاً و34 امرأة، في محافظة تعز خلال الفترة من مطلع أغسطس حتى 19 أكتوبر، في ظل تصاعد المواجهات واقترابها من المناطق السكنية.
وقد ينظر مجلس الأمن خلال نوفمبر في عقد جلسة خاصة بالأزمة الإنسانية في اليمن، بمشاركة مسؤول رفيع من مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، لمناقشة القيود المفروضة على وصول المساعدات وتداعياتها على المدنيين وحماية العاملين في المجال الإنساني.
خلفية العقوبات والقرارات المرتقبة
وتعود العقوبات الأممية الخاصة باليمن إلى فبراير 2014، عندما أصدر مجلس الأمن القرار 2140، الذي فرض تجميد الأصول وحظر السفر على الأفراد والكيانات المدرجة في قائمة العقوبات بسبب أنشطة تهدد السلام والأمن والاستقرار في البلاد.
وفي أبريل 2015، وسّع المجلس نظام العقوبات بموجب القرار 2216، الذي فرض حظراً مستمراً على توريد الأسلحة إلى الحوثيين والأطراف المشمولة بالقرار، وألزم الدول باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع وصول الأسلحة والمعدات ذات الصلة إليهم.
وفي 14 نوفمبر 2025، اعتمد مجلس الأمن القرار 2801، الذي جدد تدابير تجميد الأصول وحظر السفر حتى 14 نوفمبر 2026، ومدد ولاية فريق الخبراء حتى 15 ديسمبر من العام نفسه.
واعتمد القرار بأغلبية 13 صوتاً، مع امتناع روسيا والصين عن التصويت، في مؤشر على الخلافات التي أحاطت بمناقشات توسيع العقوبات وتشديد إجراءات تطبيقها.
كما طلب القرار من فريق الخبراء تقديم تقييمين خاصين بشأن تدفق المكونات ذات الاستخدام المزدوج والمواد الكيميائية الأولية، وآليات تعزيز تبادل المعلومات وقدرات الدول على منع السفن المشتبه في نقلها أسلحة محظورة من دخول اليمن.
ومن المقرر أن يتلقى مجلس الأمن خلال نوفمبر الإحاطة السنوية المتعلقة بأعمال لجنة العقوبات، في وقت لم يكن فيه الأعضاء قد توصلوا إلى اتفاق بشأن تعيين رئيس للجنة خلال العام الجاري.
وبحسب التقرير، قد تتولى لاتفيا، التي ترأس مجلس الأمن خلال نوفمبر، تقديم الإحاطة إذا استمر تعذر الاتفاق على رئيس للجنة، وفق الآلية التي اتُبعت خلال الاجتماعات السابقة.
وتضع هذه التطورات مجلس الأمن أمام اختبار جديد بشأن فاعلية العقوبات المفروضة على الحوثيين، وقدرته على معالجة الثغرات التي تسمح بوصول المكونات العسكرية إليهم، في ظل تنامي قدراتهم على تجميع الأسلحة محلياً، واستمرار الخلاف بين الدول الكبرى حول حدود الضغط العسكري والاقتصادي وفرص التسوية السياسية.
ورغم تلك الخلافات، يشير تقرير التوقعات الشهرية إلى استمرار توافق أعضاء المجلس على دعم تسوية سياسية شاملة بقيادة يمنية وتحت رعاية الأمم المتحدة، في وقت تتزايد فيه المخاوف من تداعيات استمرار التصعيد العسكري على المدنيين والأمن الإقليمي والملاحة الدولية.