واسيني الأعرج واسيني الأعرج
حروب الوطن السعيد ضدّ المواطن البائس؟

هناك ثقافة غريبة أصبحت جزءا حيا من لاوعي المواطن العربي، وتعطيه دفعا داخليا لكي يظل يدور حول نفسه، بلا جدوى، حتى الموت، ظنّا منه أنه يتحرك ليتغيّر ويغيّر من محيطه. ثقافة انغرست حتى أصبح من الصعب على العربي التفكير خارجها. دائرة مغلقة كلّيا. 

الثورات الوطنية انتهت بالاستقلالات الوطنية، وبقوافل من الشهداء والمقابر ومواقع التذكير بالموت المقدس الذي يستمر في اللاوعي الجمعي أبديا على حساب حياة يفترض أن تكون أملا جديدا في الاستمرار.

المشكلة الكبرى هي أن هذه الثورات ظلت في الحدّ الواقعي والمادّي كما لو أنها حدثت البارحة، ولم تصل إلى أفق الترميز بحيث تصبح لحظة تاريخية في سلسلة اللحظات التي كونت البلد أو الأمة.

فالفرنسي اليوم يرى الحرب العالمية الثانية التي كانت مدمرة، في أفق تغيير البلاد نحو الأحسن منذ الثورة الكبرى التي أطاحت بالملكية الإقطاعية، ويرى الكلّ في أفق التحرير من المظالم والقيود.

الإنكليزي والأمريكي أيضا، الثورات هناك انتهت إلى التغييرات المطلوبة ومنح المجتمعات الغربية فرصة التطور والخروج من دوائر الضيق والتخلف. لم يكن ضحايا الاستقلالات الوطنية جسورا للغنى الفاحش لزمرة ما، لكنه كان فرصة للبناء المادي والسياسي وتطوير الديمقراطية.

ثوراتنا العربية انتهت في الأغلب الأعم إلى دكتاتوريات شديدة التخلف، أو إلى عصابات مافياوية وضعت البلاد العربية كلها رهن تخلفها، مال الشعب والأمة في مرماها فأصبحت الثروة ملكا مشاعا لها فقط. لا تنمية ولا تطور سوى بركات الطبيعة السخية، والنفط، والصفقات التجارية المشبوهة، طبعا والأناشيد الوطنية التي لا تتوقف لإخفاء المصالح، ففقدت أية رمزية بالنسبة للأجيال الجديدة الوافدة على الحياة والعمل. إذ كيف تحب أوطانها وهي ترى من حرروه قد تحوّلوا إلى كائنات لا شيء يهمها إلا مصالحها، وتحويل الثورات إلى إيديولوجيا ولغة حرب، للاستمرار أكثر وإفراغ التاريخ من أي محتوى إنساني، وكأن العالم بني على الموت وليس على الحياة.

انتصر العرب في حروبهم، وحققوا استقلالاتهم الوطنية بالكل أو بالنصف أو بالربع، ليس مهما. خرج الفرنسيون والإنجليز والإيطاليون من الأراضي التي احتلوها، خرج الإسرائيليون من سيناء ومن جزء يسير من الضفة الغربية سمح بإنشاء دولة فلسطين، كيفما كان أمر النقائص الذي يصل حد قناع الدولة في ظل هيمنة احتلالية بلا حدود. وكان يفترض بعد الاستعمارات المختلفة أن يتم التفكير في تطوير المجتمعات، وزرع ثقافة الحياة الضرورية وتحويلها إلى دواء يتم به رتق الجراحات القديمة بهدف إنشاء جيل حي، يعتز بتاريخه، ولا يجعل من الدم الزكي الذي ساح في كل مكان، تاجا فوق رأس الحاكم بحثا عن شرعية مقدسة تمنحه حق فعل ما يريده، ومتى يريده أيضا. وهو ما حدث لاحقا بسبب سوء التسيير وخروج ديكتاتوريات عربية من صلب الجبال والصحاري والرماد، لا هدف لها إلا تدمير حلم الملايين من العرب، حيث جعلت من ثقافة الحرب والتاريخ المبتور رهاناتها المستقبلية.

كل هذا حدث في ظل المظالم والتخلف المدقع ومنع ظهور أي نموذج عربي في الحكم بإمكانه بعث روح التجديد والتطوير. بعد الحروب الوطنية، دخلت الكثير من الدول العربية في حروب أهلية مدمرة أتت على كل ما تمّ بناؤه، على قلته. كان ظاهرها اجتماعيا ودينيا أيضا، وعمقها مصالح دولية غير معلنة. الحرب الأهلية اللبنانية اتخذت سياقا طائفيا في ظاهرها، وأبانت عن أحقاد تم تصنيعها مما يدل أنه يمكن توريث ثقافة الضغينة المقيتة، ولولا ذكاء هذا الشعب وإصراره على الحياة، لانتهى كل شيء وسط خراب أكيد، ومات الألاف وهم لا يدرون أصلا لماذا قتلوا. وكانت الحرب فرصة لتصفية العقل نهائيا وإنهاء فكرة البلد الليبرالي الأوحد في المنطقة العربية. قتل حسين مروة ومهدي عامل والآلاف من المتنورين والليبراليين والمبدعين والفنانين.

الحرب الأهلية العربية جاءت لتثبت الخلل الفاصل بين الخطاب الوطني، وحياة الناس، الذي وصل إلى الحضيض. وتم تصريف ثقافة الحرب ضد الآخر التي صاحبت الثورات الوطنية، وتوجيهها نحو الأنا المتعبة والمنكسرة التي لا تملك أي مشروع، وسط فوضى حاضر لا يتجدد. وأصبح كأن العربي لا علاقة له بالحياة إلا داخل الحروب الوطنية التاريخية، أو الطائفية والدينية والجهوية والعرقية. وفي الوقت نفسه، كان الديكتاتور العربي يغالي في وطنيته، وينهب في اللحظة نفسها خيرات بلاده وأرضها، ويقايض مع أعداء الأمس الذين يشتمهم في كل المناسبات الوطنية، حقه في الصفقات السرية. مع أنه كان بالإمكان إنشاء علاقة صحية مبنية على المصلحة المشتركة.

واجتاحت الثورات العربية الجديدة المنطقة بكاملها لتغيير وضع لم يكن طبيعيا، على رأسه رهان الانتهاء من ديكتاتوريات توريثية متخلفة، لكن في ظل غياب أي مشروع حقيقي وواضح أو قيادة مرئية. الواضح جدا أن وجود نظام ثوري في العالم العربي كان سيقلب كل الحسابات الدولية والمصالح والموازين. وهذا لا يناسب الذين جعلوا من خيرات العالم العربي وخبراته حقا استثنائيا لهم. فتم إجهاض هذه الثورات والتوجه بها نحو إيقاظ الخلايا الدينية النائمة منذ الحروب الصليبية، والحركات الإسلاموية المتطرفة، حتى التيارات المخبرية مثل داعش التي زُرعت في الجسد العربي لتنهشه بهدوء من الداخل، في أفق استراتيجية إجرامية مستقبلية، لمنعه من أي تطور أو إمكانية الحلم. تغلغل هذا الوباء عميقا في العراق وسوريا وليبيا واليمن ومصر، ولم تعد القاعدة إلا علامة صغيرة في بحر الضغائن والأحقاد بعد أن انتهى دورها بموت مؤسسها ورميه في البحر؟

لم يعد للعرب قضية سوى الشطط اليومي واليأس المستفحل. الحرب وراء الحرب واستنزاف الطاقات بشكل غير مسبوق. حربان خليجيتان. حروب أهلية طاحنة سوريا وليبيا. حرب اليمن التي تبدو بلا أفق. كم مليارا خسر العرب في حروبهم البينية الأخيرة أو بالوكالة؟ المؤكد أن ما خسره العرب في حروبهم اللاوطنية يكفي لبناء وتشييد مدن كثيرة من الطراز الحديث، وتوظيف الملايين من التائهين في الصحاري وفي مدن النار بلا هدف، وعرضة لكل التطرفات، وإنارة مئات المدن القديمة، وبناء وتأهيل آلاف المستشفيات والمرافق السياحية التي تسمح بتنويع المداخيل الاقتصادية، وشراء آلاف الطائرات المدنية الحديثة، والقطارات السريعة التي تربط العالم العربي ببعضه، وبالخارج، وتسهل تواصله، وتشييد مراكز اقتصادية كبيرة، بدل إنشاء الحدود والسدود الحديدية والرملية والخطوط المكهربة درءا لعبور الجار العربي. في أي زمن نحن؟ 

ويبدو الفكر القومي المتنور والإنساني، الذي أنجز خلال عشرات السنين الماضية، لطخة بيضاء في خارطة السواد. هذه الأحلام والإمكانات، ذهبت كلها مع الريح، كما الفقاعات، وكأن شيئا لم يكن، ولم تبق أمام العربي المقهور في داخله وفي حياته إلا ثقافة الحروب المقدسة، التي تدافع عن خطابات الموت على حساب ثقافة الحياة، وعن أوطان بمقاس الحاكم معادية لمواطنيها.

 

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص