مروان الغفوري مروان الغفوري
عن الدراية والرواية: قصة خرافتين.

مروان الغفوري
ــــــ

في الثاني والعشرين من نوفمبر ١٩٧٩ أصابت رصاصة واحدة على الأقل جسد محمد بن عبد الله القحطاني فخر صريعاً من فوره. لقد قتل الرجل الذي اعتقد مئات المسلحين التابعين له إنه المهدي الذي سيضع حداً لكل شيء، ويوقف التاريخ، ويدشن نهاية العالم.
كان القحطاني أحد رفاق الداعية السعودي الأشهر "جهيمان العتيبي"، والرجلان شكلا المنظمة التي عرفت باسم "إخوان جهيمان" في سبعينات القرن المنصرم، وكان المحدث الشهير الألباني الأب الفكري لها. في العام ١٩٧٦، قبل المعركة بعامين ونصف، التقت المنظمة المتطرفة بالألباني في موسم الحج للمرة الأخيرة. ألقى الألباني درساً دينياً في خيمة المنظمة بحضور ما يزيد عن مائتي فرد من رجالها.

خبأت المنظمة "المهدي" عن الألباني، وأطلعته على كل أشيائها الأخرى. القائد الفكري للمنظمة، جهيمان العتيبي، كان الرجل الذي عثر على صفات المهدي في رفيقه، وقدمه للمنظمة كاكتشاف إلهي قائلاً إنه سيغير التاريخ. انشقت المنظمة على إثر ذلك الإفصاح، واندفع كثيرون إلى الخارج تاركين منظمة جهيمان توغل في استيهاماتها. تعلمت المنظمة من الألباني أن "من السياسة ترك السياسة"، وأنه لا يوجد مبرر واحد يمنح المرء الحق في مواجهة النظام الحاكم، أياً كانت طبيعته الأخلاقية. لكن جهيمان العتيبي تجاوز معلمه في الأشهر الأخيرة، ورأى في الأحاديث التي صححها الألباني عن شرط "النسب القرشي" للحاكم مدخلاً لمواجهة نظام لم يكن يحمل له الكثير من الود. فهو نجل أحد رجال عتيبة الذين قاتلوا الملك عبد العزيز آل سعود في معركة السبلة ١٩٢٩، وكادوا ينتصرون.

وفي العشرين من نوفمبر، ١٩٧٩، هاجم المئات من مسلحي المنظمة الحرم المكي عند مطلع الفجر، ظانين إنها اللحظة المناسبة لمبايعة المهدي بين الركن والمقام. لقد جاؤوا بالرجل القرشي الذي تنبأت به الآثار والنصوص التي أكد الألباني صحتها. وسط حالة من الهلع أمسك مسلحٌ بمايكرفون الصلاة صارخاً "أغلقوا البوابات"، دافعاً الإمام الكهل جانباً. حوصر ما يقرب من عشرة آلاف مصل، وانتشر مسلحو "المهدي" في مداخل الحرم ومبانيه المعقدة، وجرت معركة ستستمر حتى نهار الرابع من ديسمبر.

كان "المهدي" الافتراضي يقاتل بشراسة، ويطلق الرصاص. في اليوم الثالث رآه رجاله مضرجاً بدمه، فأصيبوا بذهول. مات المهدي قبل أن ينتصر في أي شيء، وقبل كل شيء. راح جهيمان يستحثهم لمزيد من القتال صارخاً "إن المهدي حُصِر، ولم يقتل". خسروا المعركة، وأعدِم الناجون.

كان اسمه محمد عبدالله، ويزعم أنه هاشمي، وبالضرورة قرشي. أضاف جهيمان إلى ذلك زعمه إن الصفات الجسدية للرجل هي نفسها صفات المهدي كما تحكيها الآثار. اختارت جماعة جهيمان الأول من محرم، ١٤٠٠ هجرية، أي اليوم الأول من القرن الخامس عشر الهجري، لتطلق عمليتها الأخطر، مستندة إلى أثر صححه الألباني يقول إن رجلاً يظهر على رأس كل قرن، أو أوله، يجدد للأمة دينها. 
تأثر الألباني بكتابات رشيد رضا (ت.١٩٣٥)، وبالتجديد الحذر الذي تقدمه مجلة المنار. وبينما ذهب محمد عبده (ت.١٩٠٥) إلى التفكير الحر استناداً إلى ما سيسميه "الهدايات الأربع"، العقل والنقل والتجربة والوجدان، فإن رضا سيمجد النصوصية داعياً إلى العناية "الفنية" بالإسناد، ومزيدٍ من العناية المعمقة بالمتن. التقط الألباني مشروع رضا وقلبه رأساً على عقب، مقترحاً العناية الفائقة بالإسناد، والعناية الفنية بالمتن، كما سيلاحظ الباحث النرويجي هيغهامر، المتخصص في الشؤون السلفية. سيصل الألباني إلى السعودية متأخراً، ١٩٦١، وسيغادرها بعد عامين.

مع مر السنين ستتأسس جماعات للحديث في الحجاز، وستتوالد، وستجد السلفية الكلاسيكية نفسها عند مفترق طرق. فقد نجح الألباني في إخراج أجيال سلفية كاملة من الحنبلية إلى اللامذهبية. الإصلاح الذي قدمه الألباني انحصر في إعادة تأسيس علم الرجال، أو الجرح والتعديل. وفي تقديره، على الدوام، كانت صحة الإسناد كافية لصحة الحديث. عج التراث الألباني بنصوص دينية منحها الصحة النهائية وإن تناقض متنها مع وقائع الجغرافيا والتاريخ. الأجيال الجديدة من السلفيين آمنت بالألباني، وجعلت من حضور اسمه إلى جوار نصٍ ما شهادة نهائية على صحة الحديث، كأن النبي تفوه به للتو.
وجدت حركة جهيمان زوادتها في الأحاديث التي منحها الألباني سلطته المعرفية. صار الألباني، المتوفي سنة ١٩٩٩، قيمة مضافة إلى النص، لكنها قيمة حاسمة. وبالرغم من المحاولات المستميتة التي قام بها علماء دين معاصرون لتثبيت ركائز ما سيطلقون عليه "علم الدراية والرواية"، إلا أن الرواية، أي الإسناد، حسمت الموقف لصالحها، واعتبرت كل محاولة لفحص متون الأحاديث، خصوصاً تلك التي قال الألباني إنها صحيحة، عدواناً على الدين.

قتل المهدي الذي جاء به جهيمان، بالرغم من أن الرجل كان أكيداً أنه جاء به من الأحاديث التي قال الألباني إنها صحيحة. وبعد ربع قرن بالتمام، ٢٠٠٤، سيلقي أبو مصعب الزرقاوي خطبة من العراق يقول فيها "انتظرونا في دابق"، محيلاً إلى حديث آخر صححه الألباني "لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم في الأعماق أو دابق". دابق هو سهل صغير على بعد عشرة كيلومترات من الحدود التركية السورية. تعلم الزرقاوي على يدي أبي محمد المقدسي، أحد طلبة مدرسة الحديث في المدينة المنورة، وهما مواطنان أردنيان. يتصاعد حلم دابق وينمو في وجدان جماعة الزرقاوي، التي ستصبح مع الأيام تنظيم الدولة الإسلامية. بعد عشرة أعوام على خطاب "انتظرونا في دابق" يلقي العدناني، الناطق باسم تنظيم الدولة، خطبةً بعنوان "وليمكن لهم"، مبشراً جنوده: إن لكم موعداً في دابق.

بعد أقل من عام يهاجم تنظيم الدولة سهل دابق، محققاً انتصاراً ساحقاً على قوات المعارضة السورية. يتأكد تنظيم الدولة، بصورة نهائية، من اقتراب نهاية الزمان، فالأحاديث التي صححها الألباني حددت شكل الصراع في عالم ما قبل القيامة. يقف العدناني مرة أخرى، بعد الاستيلاء على سهل دابق، ملقياً خطبة دينية بعنوان "قل موتوا بغيظكم"، متوعداً: عما قريب لنا موعد في القدس وموعد في روما، تهزم قبله جيوش الصليب في دابق. وبيقين يردد العدناني "باقون، وسنقاتل الدجال". فالمنتصرون في دابق سيعودون إلى الشام ويهزمون الدجال، كما تقول تكملة حديث دابق.

تصبح دابق أيقونة التنظيم، ويخرج الجهادي جون وهي يدوس رأساً مقطوعة لرهينة أميركي في دابق. "يعلمون ما ينتظرهم في دابق، يعلمون إنها الحرب الأخيرة"، قالت خطبة مدوية بعنوان "فتربصوا" للخليفة البغدادي. وضع التنظيم كل رهاناته وأسراراه في دابق. لقد مل الجهاديون الانتظار، وظهر البغداد أكثر من مرة منادياً "جيوش الصليب" للنزول إلى دابق، على طريقة "هيا، لنضع حداً لكل ذلك". ذلك ما فعله جهيمان من قبل، وبالطريقة نفسها. فقد عثر في فصول الفتن، في كتب الحديث، على النصوص التي تؤكد له إن قيامة العالم على الأبواب، وأن رجاله هم خير الناس.

في أكتوبر، ٢٠١٦، اقتحمت قوات درع الفرات سهل دابق، واحتلته في معركة لم تستمر سوى ٤٠ دقيقة، خسرت فيها تلك القوات تسعة مقاتلين. لقد هوت الخرافة من عليائها، تاركة أصحابها في حيرة. حاول دعاة التنظيم تلافي الفاجعة بالقول إن شروط معركة دابق الفاصلة لم تتحقق بعد، متجاهلين خطابات القادة الثلاثة الذين أكدوا إنها الحرب الأخيرة.

لقد انهارت خرافة ثانية عثر عليها أصحابها في "النصوص الصحيحة"، ولكن انهيارها ترك دماً مسفوحاً وأرضاً خراب.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص