الحرب المنسية في اليمن: اختبارات ترامب الجديدة وفشل إدارة الحوثيين

الحرب في اليمن لا نهاية لها، فهذا البلد دائما في صراع مع نفسه ومن حوله ومع الطبيعة التي تحيط به، وهو في حرب مع الجوع والعطش وحرب مع الحرب نفسها.

ولكن ما يميز حروب اليمن أنها منسية. فرغم المركز الاستراتيجي الذي يحتله في الملاحة العالمية كونه يقع على مضيق باب المندب الذي تمر منه الكمية الأكبر من النفط العالمي للأسواق الغربية، إلا أن اليمن الواقع على طرف شبه الجزيرة العربية ظل البوابة الخلفية للمملكة العربية السعودية ولهذا اتسمت العلاقة بين البلدين بالوئام والخصام واللعب على وتر التحالفات الوقتية ومحاولة الحفاظ على اليمن كساحة للتأثير السعودي لأن ضعفه وقوته تظل مهمة للمصالح الوطنية السعودية. ومن هنا جاءت «عاصفة الحزم» في آذار (مارس) 2015 التي قادتها السعودية بعد أشهر من سيطرة المتمردين الحوثيين على العاصمة اليمنية صنعاء لتبدأ فصلا جديدا من الإشتباك الجديد في اليمن. ومع أن الهدف المعلن للحملة كان إعادة الحكومة المعترف بها دوليا بقيادة عبد ربه منصور هادي إلا أن الهدف لم يتحقق بعد وفي ظل الظروف التي تمر بها السعودية من إصلاحات اقتصادية وتقشف وانخفاض في أسعار النفط العالمية وفاتورة الحرب اليومية خف الحماس للحرب بين الأطراف المشاركة فيها ومنها الولايات المتحدة التي قدمت دعما لوجيستيا واستخباراتيا لطياري دول التحالف.

انتقادات أمريكية

وفي أمريكا بالذات جرى نقد إدارة باراك أوباما خاصة بعد القصف الذي استهدف بيت عزاء في صنعاء قتلت فيه شخصيات مهمة وذلك في تشرين الأول (أكتوبر). ورد الكونغرس على التطور برفض الموافقة على صفقة سلاح للسعودية بقيمة 1.5 مليار دولار. وجاء دعم واشنطن للرياض في الحملة كجزء من المحاولات لتأمين الإتفاق النووي مع إيران التي تتهمها السعودية بدعم الحوثيين بالسلاح. وفي ضوء المرحلة الانتقالية التي تمر بها الولايات المتحدة بعد فوز المرشح الجمهوري دونالد جي ترامب المفاجئ، ستسلم إدارته الملف اليمني من ضمن عدد من الملفات الشائكة المتعلقة بالمنطقة العربية وأهمها سوريا وتنظيم الدولة الإسلامية والمحادثات السلمية المتوقفة إن لم تكن الميتة بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ولم يظهر من ترامب أي مواقف واضحة تنم عن توجه للسياسة الخارجية باستثناء ما قاله من تصريحات حول ضرورة الإبتعاد عن اليمن وجعل الحلفاء التقليديين يدفعون فاتورة الدفاع عن أنفسهم. وعلت أصوات تطالبه بالعمل على وقف الحرب غير العادلة هناك، ويقول أصحابها أن مشاركة الولايات المتحدة تسهم في زيادة الفوضى والإضطرابات وتقوي الإرهاب الدولي حسب مايكل بريندان دورتي في «ذا ويك» (22/11/2016) ودعا كذلك دوغ باندو في مقال نشره موقع «هافينغتون بوست» (11/11/2016) لوقف الدعم الأمريكي للجهود الحربية في اليمن. ولا بد من الملاحظة أن الدعوات لوقف الحرب مرتبطة بمواقف الصحافة المحافظة من السعودية. وهناك من يرى أن وقف الحرب ستظل أولوية متأخرة للإدارة المقبلة مثلما كانت للإدارة الحالية كما كتب دانيال لاريسون في «ذا أمريكان كونزيفتف» (22/11/2016).
لكن المحلل في الشؤون العربية في مؤسسة جيمس تاون، مايكل هورتون يرى في مقال نشرته «ناشونال إنترست» (27/11/2016) أن «الحرب الأهلية في اليمن ستكون اختبارا لترامب، خاصة أن الولايات المتحدة منخرطة فيها بشكل واضح». ولاحظ الكاتب أن اتفاقيات وقف إطلاق النار ومنها الأخير الذي توصل إليه وزير الخارجية، جون كيري لم يستمر طويلا ما يعني ان الحرب ستظل مستعرة ولمدة طويلة بعد تولي ترامب السلطة رسميا.

اختبار ترامب

ويرى هورتون أن تعيينات ترامب تقودنا للتكهن في النهاية للمسار الذي سيتبناه تجاه القضايا الساخنة في المنطقة والتي تدور بين خيار مواجهة تنظيم الدولة ومحاربة النفوذ الإيراني المتزايد. فالمرشح لمنصب مستشار الأمن القومي الجنرال المتقاعد مايكل فلين يريد التركيز على مكافحة تنظيم «الدولة» أما المحافظون الجدد الذين ملأ إدارته منهم فيرغبون بالعودة لإيران والتركيز عليها. ويعلق هورتون أن حرب اليمن التي لم تحظ بتغطية إعلامية واسعة تظل حربا وحشية مثل الحرب الجارية على الأرض السورية. وتحتوي الحرب اليمنية على كل العناصر المتوفرة في الحرب السورية، من موقع استراتيجي ووجود فرع ذكي لتنظيم القاعدة وتدخلات خارجية. وزيادة على هذا فهي معقدة مثل السياسة العقيمة فيها، فالأطراف المتصارعة هي جماعة الحوثيين المتحالفين مع الرئيس السابق علي عبدالله صالح (وللمفارقة خاض هذا معهم ست حروب) وهناك فريق الحكومة اليمنية في المنفى، التي يقودها عبد ربه منصور هادي وتدعمها السعودية والإمارات وبريطانيا والولايات المتحدة. وتتعامل الرياض مع الحوثيين كجماعة وكيلة لإيران. وفي تقييم لمنجز «عاصفة الحزم» التي مضى عليها عامان تقريبا يرى الكاتب أن هناك القليل الذي حققه القصف الجوي سوى خمسة مليارات دولار أنفقتها السعودية وحدها على الحرب، ولا يزال الحوثيون وحليفهم عبدالله صالح يسيطرون على العاصمة صنعاء وشمال غرب البلاد، أما جنوب اليمن فنصفه تسيطر عليه مجموعات مسلحة مرتبطة بالحكومة، أو الميليشيات القبلية أو الحراك الجنوبي، أما النصف الآخر فهو تحت سيطرة تنظيم القاعدة، وكان السعوديون والإماراتيون، الذين قادوا الحرب، حاسمين، لكن ليس بالطريقة التي أرادوها.

انتعاش القاعدة

وكان تنظيم القاعدة يعاني من أزمة مالية وعسكرية لكنه انتعش بسبب الحرب الحالية وسيطر على مناطق مهمة في الجنوب، أما الحوثيون فزادتهم الحملة قوة لا ضعفا. وينقل الكاتب حديثا دار بينه وبين رجل دولة يمني كبير عام 2012 قائلا: «لا يعرف الحوثيون الحكم أو إدارة البلاد، وكل ما يعرفونه هو القتال» وقدم الرجل نفسه تحذيرا، قال فيه: «القتال هو مصدر قوتهم، ولو حدثت حرب فإنهم سينتصرون، وبدون حرب سينهزمون». ويعلق الكاتب: «بعد أربعة أعوام أظهر الحوثيون أنهم قادرون على القتال. وأسهم القصف السعودي للجسور والمدارس والجنازات والمستشفيات لتقديم الحوثيين أنفسهم على أنهم حماة للأمة». أما تنظيم القاعدة فقد استفاد من الحملة السعودية وقام بهجمات، ووسع تأثيره واستولى على مخازن أسلحة ومعدات خلفها وراءه الجيش اليمني، وسيطر على خامس مدينة في اليمن، المكلا، وقام هناك بالسطو على فروع للمصرف المركزي اليمني، واستولى على 100 مليون دولار. ومن هنا يمنح اليمن الرئيس الأمريكي المنتخب فرصة للتصدي للتأثير الإيراني في المنطقة ويمكنه ملاحقة القاعدة والجماعات الجهادية الأخرى، خاصة أنه ركز في أثناء حملته الانتخابية على أولوية قتال السلفيين، مشيرا إلى أنه سيعمل مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لمواجهة تنظيم «الدولة» في سوريا. ومع ذلك أكد الرئيس المنتخب أن اتفاق إيران النووي يعد من أسوأ الصفقات التي عقدت في التاريخ، وهو ما يقود إلى الاعتقاد بأن إدارة ترامب ستستمع للمحافظين الجدد، الذين لم تفعل سياساتهم، مثل غزو العراق، إلا تقوية إيران. ويقول هورتون إن إدارة ترامب المقبلة تستطيع تحقق الهدفين إن تبنت النهج الصحيح، فقد تقوم بممارسة الضغط على السعودية لإنهاء حملتها العبثية في اليمن، ما يعني وقف تمدد إيران. ويمكن لوقف الضربات الجوية ورفع الحصار المفروض على الموانئ اليمنية أن يؤديا إلى وقف الكارثة الإنسانية، وهي خطوة أولى لبدء المفاوضات، التي كانت في مرحلة متقدمة قبل تدخل السعودية كما يقول. وعليه فالطريقة التي سيتعامل بها ترامب مع الملف اليمني هي مؤشر لاتجاهات السياسة الخارجية في عهده. وستعطي بالضرورة صورة عن قدرة الرئيس المقبل ومستشاريه للرد على النزاعات، التي تحتاج إلى ردود متوازنة محسوبة وبراغماتية. ويبقى السؤال حال فشلت الإدارة الحالية تحقيق السلام في اليمن، فهل سيكون بمستطاع الحوثيين، وهم أقلية من الشمال إدارة البلاد بحكمة وفعالية؟

فشل الحوثيين

أجاب على هذا السؤال بن هبارد مراسل صحيفة «نيويورك تايمز» (28/11/2016) وقدم صورة سريالية عن واقع الحياة في العاصمة اليمنية في ظل الحوثيين. ورصد فيه قلة الخبرة لدى الحركة التي أفرزت محاربين كثر حولوا صنعاء إلى عاصمة للميليشيات ولم تفرز ساسة أو مفكرين ولا تكنوقراط. وينقل بن هبارد عن المتحدث باسم الوحدات العسكرية المتحالفة مع الحوثيين الجنرال شرف لقمان، اعترافه أن خطوط التماس لم تتغير على مدى عام، وقال: «خسرنا كل شيء وبنيتنا التحتية، ولم يبق لدينا ما نخسره.. والآن هي مجرد حرب استنزاف طويلة الأمد». ومع أن سيطرة الحوثيين على صنعاء جعلتهم في قلب الجهود الدولية لحل الأزمة إلا أنهم فشلوا حتى الآن بامتحان الإدارة. ولا يلغي هذا أنهم بتشكيلهم حكومة إنقاذ وطني يوم الإثنين فواقع الحال يشير لقلة الخبرات لديهم لإدارة بلد يسيطرون على أجزاء واسعة منه. فهم يعتمدون على الموظفين الحكوميين الذين يعملون رغما عنهم. كما يعتمدون على أتباع الرئيس السابق صالح المتحالف معهم.  فيما ينشغلون بالثورية حيث يشبهون أنفسهم بحزب الله في لبنان وحركة حماس في غزة ويقولون أن هدفهم تطهير البلاد من الفساد. وينقل الكاتب عن المحللة المتخصصة في اليمن في مجموعة الأزمة الدولية إبريل لونغلي، قولها إن اندفاع الحوثيين من الشمال للاستيلاء على العاصمة كان عملا «انتهازيا» بهدف الحصول على حصة حاسمة في القرار الوطني وفي الأجهزة الأمنية والعسكرية اليمنية، وما هو غير واضح هو كيف غيرت الحرب هذه الأهداف. وأضافت: «والآن كونهم في العاصمة، يبقى السؤال هو كم يتصورون أن بإمكانهم البقاء بعد هذه التجربة مع الحكم؟».

مدير مستشفى بدلوم

وتؤكد الشهادات التي جمعها صحافي «نيويورك تايمز» لفقر التجربة في الحكم. فقد عين الحوثيون أحيانا موالين لهم لا يملكون أي شهادات، في مواقع مسؤولية عن موظفي الدولة، الذين يملكون خبرات مهمة، لافتة إلى قول أحد رجال الأعمال في صنعاء إنه ذهب إلى مركز الشرطة لرفع شكوى، فوجد أن هناك حوالي 12 ضابطا لا يستطيعون اتخاذ قرار دون العودة إلى المسؤول الحوثي. وفي زيارة لمستشفى الأطفال والولادة الرئيسي في صنعاء «كان علينا أن نأخذ تصريحا من مديره الجديد، الذي قال إن مؤهله الوحيد هو درجة الدبلوم في التمريض، وقال ممرض عمل في هذا المجال لمدة 16 عاما إنه لم يتم دفع راتبه لمدة شهرين. مضيفا أنه ليس بإمكان الحوثيين أن يمولوا إدارتهم». وتحدث الكاتب عن حالة القمع، ونقل عن شخص قوله «لو خرجت إلى الشارع للاحتجاج يمكن أن يلقى القبض عليك وتؤخذ إلى السجن.. فكل ما هو موجود ميليشيات مسلحة». وحمل مسؤولون حوثيون السعودية مسؤولية الفقر الإداري والكارثة الإنسانية . ولا يحظى الحوثيون بدعم كامل من السكان كما ولا يمكن فهم ما يريدون تحقيقه غير محاربة السعودية ورفع الشعارات الثورية «الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود، النصر للإسلام». ولا يخفى أن التدخل السعودي كان عاملا في توحيد الكثير من القوى السياسية اليمنية ودعمها للحوثيين، مع أن منظمات حقوق الإنسان تتهمهم بالهجمات العشوائية على المناطق المدنية وممارسة الاعتقالات التعسفية والتعذيب ضد معارضيهم السياسيين.  ووسط القصف وغياب الخبرة يعاني السكان خاصة في الأرياف من نقص حاد في المواد الغذائية. ويقول سودرسان راغفان، مراسل صحيفة «واشنطن بوست» (30/11/2016) أن العائلات المحاصرة في الريف تجد نفسها أمام خيارات صعبة للحفاظ على أطفالها، فالجوع أولا أم المرض. ويقول إن اليمن ليس غريبا على الجوع لكن الحرب التي مر عليها 20 شهرا قربته نحو حافة المجاعة. ويقدم صورة عن غياب منظمات الإغاثة والأطفال الذين يدفعون ثمن الحرب، يموتون ويدفنون في قبور غير معلمة.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص