مروان الكامل... نموذج لمأساة الجرحى اليمنيين في السودان!

في جبهة نهم كان مروان الكامل يقف على طقم حربي، يقاتل في صفوف "الشرعية" اليمنية المدعومة من السعودية، التي شكّلت تحالفاً عربياً من عشر دول "لاستعادة الشرعية وإيقاف الحوثيين المدعومين من إيران الذين أسقطوا الدولة بقوة السلاح".

كان مروان يضرب بالسلاح الرئيس للطقم، تشتت أفكاره ولم يتنبه أن ثمة طريقاً وعِراً سيصعدون منه، كانت مواجهات عنيفة للغاية شتتت أفكار السائق أيضاً، فسقط مروان من الطقم، وواصل السائق مُهمته.

حدث كل شيء بسرعة، السقوط ثم عدم تمكّن سائق الطقم من الطلوع، ما جعله يعود إلى الوراء مسرعاً، حينها لم يكن يعلم بأن مروان قد سقط، وأن "كفرات" الطقم قد عبرت من فوق جسده، ظل مروان حياً، فنوعية التربة التي سقط عليها ساعدته في تحمل الثقل، لكن معدته تغيّر موضعها وتسبّب له الألم.

يتوقف هذا المشهد ويعمّ السواد، يتلاشى ببطء وتعود الصورة إلى مروان وهو يُغادر أرضه للعلاج، يصل إلى السودان المُنخرطة في "التحالف العربي"، وتحتضن عدداً من اليمنيين، يدخلون البلاد بدون فيزا، ويبقون بدون إقامة، وحصلوا على امتيازات كمعاملتهم في عدد من المؤسسات كمواطنين سودانيين.

في فترات الحروب، هناك التزامات قانونية يجب على أطراف النزاع أن تلتزم بها، في جنيف تم توقيع أربع اتفاقيات اهتمت بالجرحى وخصوصاً الجنود، جاء في المادة الثالثة من الاتفاقية الرابعة أنه "يجب تجميع الجرحى والمرضى ورعايتهم". مروان، والكثير من الجرحى، لا يعلمون بأنهم كجنود جرحى، فمن حقهم الحصول على اهتمام ورعاية، ولا يجوز لهم التخلي عنه، وفي حال قيام أطراف النزاع بالتغاضي عن تقديم التزاماتهم تجاه الجنود الذين ينتمون إليهم فإن ذلك يُعد مُخالفة جسيمة يعاقب عليها دولياً.

"مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية" يتكفل بعلاج جرحى الجنود الذين يقفون إلى جانب "الشرعية" اليمنية، وقّع اتفاق تعاون بينه وبين الحكومة السودانية و"الهلال الأحمر" السوداني في فبراير 2016، يتمحور حول "دعم التخصصات في الكوادر النادرة ودعم الكوادر الطبية داخل اليمن وعلاج الجرحى اليمنيين".


مروان الكامل... الألم يُطارد الابتسامة:

وصل مروان للعلاج في السودان بناء على الاتفاق الذي ألزم المركز بالتمويل وألزم الجانب السوداني بالعلاج؛ وصل أيضاً الكثير من الجرحى، تم تقديم كشف وتقارير طبية لعدد 84 جريحاً كدفعة أولى، وافق الجانب السوداني على استقبال 48  اسماً واعتذر عن البقية؛ قال إنه لن يتمكّن من علاجهم لأن أغلبهم حالات "شلل".

وصلت دُفع الجرحى، تم استضافتهم في عدد من المراكز الطبية، منها مركز "مروي الطبية" (350 كلم شمالي العاصمة)، أو ما يعرف شعبياً باسم "المستشفى الصيني" كأكبر المستشفيات داخل الشرق الأوسط، والذي تم تمويله من وزارة المالية الاتحادية السودانية وبيعه للجهاز الاستثماري للضمان الاجتماعي في السودان. في 9 سبتمبر 2016، وصل مروان ورفاقه الثمانية والثلاثين إلى "مركز مروي"، مبهورين بالمبنى والحراسة الأمنية التي تُحيطه، احتضنهم المركز للعلاج والإقامة في الغرف العلاجية الخاصة بهم، لكن العناية التي كان يُقدمها "متواضعة"، ناهيك عن ارتكاب أخطاء طبية فاقمت من وضع الحالة الصحية للجرحى.

بدأ مروان في برنامج العلاج على يد طبيبة مُختصة بالنساء والولادة! أجرى أول عملية جراحية، لكنها لم تنجح، بل سبّبت له انسداداً، تم تصحيحها لاحقاً في مستشفى "شرق النيل" في الخرطوم، لكن مشكلة المعدة التي تحرّكت من مكانها، لم يتم حلّها حتى الآن، وحصل على تقرير طبي يُفيد بأنه تم علاج حالته، وعلى ضوء التقرير توجّب على "الهلال الأحمر" السوداني أن يقوم بإعادته إلى الجبهة. رفض العودة، وقام بحبس نفسه في الغرفة والتهديد بأنه سينتحر، وأبلغ السفارة بهذا القرار الذي جاء بعد معرفته بأن العملية القادمة التي سيُجريها، إما أن تبقيه حياً، أو يموت على إثرها.

 

الجرحى يحتجّون: نحن بلا سكن:

قبل أن يصل مروان إلى الخرطوم، كان وأصدقاءه يتذمرون من العناية غير الكافية، وعدم توفير الدواء، والأخطاء الطبية وغياب الاخصائيين، فمن يُعاني من إصابة في الدماغ يُعالجه أخصائي باطنية، كالجريح فتحي الصبري القادم من جبهة تعز.

قدّموا طلباً بنقلهم إلى مكان آخر، حصلوا على الموافقة وسمحت لهم القوّات الأمنية بالمرور، وصلوا إلى الخرطوم وتم علاجهم في مستشفى "شرق النيل" الذي وفر لهم غُرفاً، وتم استضافة آخرين في سكن خاص بجرحى الجبهات الجنوبية لليمن الذين يتم علاجهم عبر الامارات وقطر وليس "مركز الملك سلمان"، السكن يُديره هاني الصيادي.

هاني مستثمر شاب، يتولى إدارة شؤون الجرحى في الخارج، جاء إلى السودان من الهند التي احتضنته لذات المُهمة، وتركها بعد الفضيحة المدوية لجرحى جبهات جنوب اليمن في الهند، حين تعرّضوا للطرد من الفندق بسبب عدم دفع الإيجار، كانت أصابع الاتهام تتجه نحو هاني بأنه المُتسبب بهذه الحالة المأساوية، ثم ما لبثت أن تكررت حالة مأساوية أخرى للجرحى اليمنيين في السودان، ولكن بسيناريو جديد.

احتضن السكن جرحى جبهات الشمال مع جرحى جبهات الجنوب، أكلوا وشربوا سوياً، وعاشوا لحظات الألم وترقّب العمليات الجراحية والخوف من فشلها، بعد عِدة أشهر أبلغهم هاني بأن فترة احتضانهم ستنتهي بعد عشرين يوماً لأنه سيتم نقل الجرحى الآخرين لسكن أصغر، فهناك جرحى سيتم نقلهم للعلاج في الهند. توجّه رفاق مروان إلى مقر السفارة اليمنية في الخرطوم، أخبروا القائم بأعمال السفير، هادي علي عامر، عن حاجتهم إلى سكن، لا يتوانى عامر عن تقديم الوعود، ونسيانها، كما ينسى الأشخاص. نهاية الشهر، فوجئ الجرحى أنهم بلا سكن.

حملوا جراحاتهم ليلاً، وتوجّهوا إلى الحي الذي تقع فيه السفارة، ناموا في حوشها، احتجوا وطالبوا بتوفير سكن وتغذية وتشكيل لجنة من الأطباء اليمنيين لدراسة ملفاتهم وعلاجهم في الخارج، أخرجوهم من السفارة وأغلقت قوّات الأمن أبواب السفارة، ظلت مُغلقة حتى الرابعة عصراً، ونظراً للأوضاع الأمنية التي تمُر بها السودان جراء الاصلاحات الاقتصادية التي أعلنت عنها الحكومة، قررت قيادة السفارة إدخال الجرحى إلى الحوش ووعدتهم بأنها ستقوم بتوفير وجبة الغداء ومن ثم سيحجزون لهم فندقاً، وفروا الغداء ولم يحجزوا الفندق.

 

أنقذوا الجرحى في السودان:

ست ليالٍ قضاها الجرحى في حوش السفارة، يُطعمهم هاني، ومنذ اليوم الأول انتقلت قضيتهم إلى الكثير من جمهور "فيسبوك"، معظمهم من الاعلاميين البارزين وقادة الرأي وراصدي انتهاكات حقوق الإنسان، مُهمتهم فضح المُنتهكين أمام العالم وتقديم تقارير بشأن الانتهاكات للقوانين الإنسانية في ظل الحرب. رأى الناس مشاهد حية وفيديوهات للجرحى وهم يتحدثون عن أوجاعهم ومعاناتهم.

هذه المشاهد، أدت إلى زيارة وفد يمني مكوّن من وزير الدولة، هاني بن بريك، كمسؤول عن ملف الجرحى، والدكتور توفيق الشرجبي، وكيل وزارة الصحة، الذي تقول المعلومات أنه لم يكن راغباً باختيار السودان كمركز للعلاج، تكللت الزيارة بتوفير سكن للجرحى ووعود بنقلهم للعلاج إلى الهند.

يؤمل مروان أن تعود معدته إلى موضعها ليتخلص من ألمه، ارتدى زيّه العسكري مُجددًا في انتظار المغادرة إلى الهند.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص