بدأ بشراء قطعة أرض صغيرة.. هكذا خطط الصهاينة للاستيطان

يعيد قرار الأمم المتحدة، القاضي بوقف إسرائيل جميع أنشطتها الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها شرقي القدس، الصادر في 23 ديسمبر/كانون الأول الجاري، بدايات الاستيطان إلى الأذهان وتطوره وانتشاره، ليتحول من قطعة أرض صغيرة، إلى سيطرة على كامل فلسطين باستثناء 15% منها.

كان ذلك على يد الثرى اليهودي منتيفيوري، الذي استطاع في عام 1855 أن يشتري قطعة أرض في مدينة القدس، أقام عليها في عام 1857 أول حي سكني يهودي في فلسطين خارج أسوار مدينة القدس.

في مارس/آذار الماضي كشف بيان للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، أن "إسرائيل" تستغل أكثر من 85% من مساحة فلسطين التاريخية، والبالغة نحو 27.000 كم2، ولم يتبق للفلسطينيين سوى نحو 15% فقط من مساحة الأراضي!

بذلك تحولت فلسطين من أرض يملكها سكانها العرب بالكامل، إلى بلد لا يملك سكانه الأصليون سوى 15% منه!

وللعودة إلى بداية اشتغال اليهود سعياً لتحويل فلسطين بلداً لهم، تشير الوقائع إلى أنه بعد شراء الثرى اليهودي منتيفيوري قطعة أرض في مدينة القدس، أقام عليها أول الأحياء اليهودية خارج أسوار القدس في عام1857، اشترى في 1860 اثنان من اليهود قطعتي أرض في فلسطين؛ الأولى قرب أراضي قالونا والثانية حول بحيرة طبرية، وفي العام نفسه تم بناء أول 20 وحدة سكنية.

وبعد ذلك أقامت جمعية الهيكل الألماني برئاسة كريستوف هوفمان بعض المستوطنات عام 1878.

وشهدت فلسطين قبل الحرب العالمية الأولى موجتين رئيسيتين من الهجرات اليهودية؛ الأولى وقعت في الفترة ما بين 1882-1903، تراوح عددها ما بين (25-30) ألف مهاجر، وإليها يرجع الفضل في التمهيد لإرساء الأسس التي قامت عليها حركة الاستيطان اليهودي المنظم في فلسطين.

وعليه أنشئت في 1882 ثلاث مستوطنات هي "ريشون ليتسيون وزخرون يعقوب وروش ليتاح"، كما أنشئت في 1883 مستوطنتان أخريان هما "يسود همعله" و"نيوز يونا".

وأنشئت في عام 1884 مستوطنة جديدة، غير أنها تعرضت لخسائر فادحة ولم تستطع الاستمرار لولا تدخل أدمون دي روتشيلد، الذي دعم إقامة ثلاث مستوطنات أخرى في عام 1890؛ هي "رحوبوت، ومشمار هارون، والخضيرة".

ثم تولت منظمة تدعى أيكا، وهي منظمة الاستيطان الزراعي التي أسسها البارون النمساوي الأصل دي هيرش، العمل الاستيطاني، وأسست من 1899 إلى 1908 عدة مستوطنات جديدة، بالإضافة إلى إعادة تنظيم مستعمرات روتشيلد.

 

وصل عدد المستوطنات حتى عام 1914 47 مستوطنة. وعمل الصهاينة على إقامة هذه المستوطنات بالتدريج؛ حتى لا يلفتوا إليهم أنظار العرب، حيث كانوا يقيمون من مستوطنة إلى ثلاث مستوطنات سنوياً.

وعلى الرغم من أن الدولة العثمانية لم تقبل الاستيطان اليهودي في فلسطين، إلا أن نظام حيازة الأراضي في فلسطين في العهد العثماني قد تغاضى عن إقامة تلك المستوطنات، حيث ظهرت طبقة من ملاكي الأراضي من العرب وغير الفلسطينيين الذين كانت تجذبهم الأسعار المرتفعة إلى بيعها.

ونشطت المؤسسات الصهيونية بعد الحرب العالمية الأولى، لا سيما بعد تمكن المنظمة الصهيونية العالمية من استصدار وعد بلفور الشهير عام 1917، ووقوع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، الذي أدى دوراً كبيراً في تمكين اليهود من السيطرة على مساحات كبيرة من الأراضي.

بذلك تمكن اليهود من امتلاك 2070000 دونم بعد "قيـام إسرائيل"، وحرصت هذه المؤسسات على أن تكون هذه الأراضي في مناطق متباعدة من أجل توسيع رقعة "الدولة اليهودية".

يعتبر الانتداب البريطاني المرحلة الذهبية للاستيطان الصهيوني في فلسطين؛ حيث أصبح الاستيطان اليهودي يتم تحت رعاية دولة عظمى تديره وتتكفل بحمايته.

ومنحت الوكالة اليهودية أراضي حكومية واسعة مساحتها (195) ألف دونم، في مناطق مختلفة من البلاد، ووضعت حكومات الانتداب البريطاني في عام 1921 (175) ألف دونم من أملاك الحكومة تحت تصرف المنظمات الصهيونية لتوطين المهاجرين.

وفي الفترة بين عامي 1936 -1939 أقيمت 53 مستوطنة، كان يطلق عليها "خوما ومجدال" أي سياج وبرج، وصفاً للطابع العسكري لتلك المستوطنات التي تزامن إنشاؤها مع نشوب "ثورة عام 1936 الفلسطينية"، حيث روعي في اختيار مواقع تلك المستوطنات أن تكون بمنزلة سياج يشرف على المستوطنات الأخرى.

وفي أعقاب مشروع بيل لتقسيم فلسطين 1937، بدأ الاهتمام الصهيوني بإقامة مستوطنات في صحراء النقب (جنوبي فلسطين)، وبلغ عدد المستوطنات المقامة في النقب بحلول عام 1948 27 مستوطنة.

ما يميز السياسة الاستيطانية خلال فترة الانتداب اتجاه الحركة الصهيونية، توزيع المستوطنات الزراعية توزيعاً استراتيجياً على حدود الدول العربية المتاخمة لها؛ فأقامت 12 مستوطنة على حدود الأردن، و12 على حدود لبنان، و8 على حدود مصر، و7 على حدود سوريا، حتى بلغ مجموع المستوطنات التي أقيمت حتى عام 1946 68 مستوطنة يسكنها 18411 مستوطن.

وتمكنت الحركة الصهيونية خلال فترة الانتداب من امتلاك ما يزيد على 30% من مجموع الأراضي الزراعية في فلسطين، وبلغت مساحة الأراضي التي يمتلكها الصهاينة مع نهاية فترة الانتداب عام 1947، 1.82 مليون دونم، وهو ما يعادل 6% من مساحة فلسطين، البالغة 27 مليون دونم.

وتوسعت أملاك اليهود في منطقة القـدس، وضواحي بئر السـبع، كما تم شراء مزيد من الأراضي في النقب الشمالي وفي غزة، وبلغ عدد المستوطنات التي أقيمت في الفترة الواقعة بين 1939- 1948، 79 مستوطنة مساحتها الإجمالية 2.052.000 دونم.

وإذا كان الاستيطان في المراحل السابقة يهدف للإعداد لإنشاء الدولة، فإنه بعد إنشائها في عام 1948 اتجه إلى تحقيق أهداف أخرى؛ تتمثل في ترسيخ القاعدة البشرية والاقتصادية والعسكرية للدولة الجديدة، وبما يخدم أغراضها التوسعية المستقبلية.

وكان أول عمل أدته الحكومة الإسرائيلية (البرلمان) بتاريخ 5 يوليو/تموز 1950، إصدار قانون العودة، الذي يمنح بموجبه كل يهودي داخل فلسطين حق الاستيطان فيها.

وتكللت جهود الصهيونية ومن ورائها القوى الاستعمارية بالنجاح، عندما أعلن عن قيام إسرائيل عام 1948 على77% من مساحة فلسطين التاريخية، وتمكنت إسرائيل من طرد معظم السكان الفلسطينيين، بعد أن ارتكبت العديد من المذابح والمجازر، ودمرت القرى والمدن الفلسطينية.

واستمر هذا الوضع حتى حرب يونيو/حزيران 1967، التي كانت من أهم نتائجها استكمال سيطرة إسرائيل على الأراضي الفلسطينية، بعد احتلالها للضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة، وبذلك تكون فرصة جديدة سنحت لإسرائيل لمتابعة مخططات الصهيونية لتهويد فلسطين، التي بدأت في القرن التاسع عشر ومازالت قائمة إلى يومنا هذا.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص