"الإعلام الحربي".. كلمة السر الإيرانية في حرب الكلمة والصورة

يعد "الإعلام" خط التماس الأول في الحروب، يتحرك بالتزامن مع الآلة الحربية العسكرية بهدف حشد الرأي العام، سواء كانت وسائله صادقة أو مبالغة أو مضللة وكاذبة، بهدف تقديم صورة مشوهة أو سلبية للعدو، ويعمد إلى إبراز نماذج بطولية فذة لجنوده يجني على إثرها دعماً شعبياً واسع النطاق.

و"الإعلام الحربي" مصطلح ظهر في الشرق الأوسط، كجبهة من جبهات الشيعة في بؤر الصراع بالعراق وسوريا ولبنان واليمن، في تسمية حاولت فيها إيران إظهار "نقاء معاركها"، عبر استعراض صور وهمية لأهداف حروبها في المنطقة.

وتحمل أذرع إيران في المنطقة؛ حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، والحشد الشعبي في العراق، ونظام بشار الأسد في سوريا، أجهزة إعلامية ترفع شعارات حماسية تقود جُلها إلى تحفيز الهمم ودعم الجبهات في بؤر الصراع.

وفي وقت سابق، أكد مساعد العمليات في قيادة أركان القوات المسلحة الإيرانية، العميد علي شادماني، أن "إيران تدعم الحوثيين بالاستشارات العسكرية والمساعدات المعنوية والإرشادات"، مضيفاً خلال حوار مع وكالة أنباء "فارس" التابعة للحرس الثوري، في 25 أبريل/نيسان 2015، أن إيران تعلن بصراحة أنها تدير وتدعم ما وصفها بـ "المقاومة"، وقال: "نحن أعلنَّا- وبشكل علني- دعمنا للمقاومة اليمنية شأنها شأن المقاومة الفلسطينية واللبنانية والعراقية والأفغانية وسنساعدها".

وعادةً ما تستخدم الجيوش النظامية مصطلح "الإعلام العسكري"، غير أن الجماعات والفرق القتالية تستخدم عادة مصطلح "الإعلام الحربي"، حيث يعمل هذا المصطلح على الاستئثار بقلوب المدنيين وربط الصورة الذهنية لهم بالحرب الدائرة، ما يكون سبباً قوياً في تأليب قلوبهم على الطرف الخصم، وتحريك ميولهم العاطفية لتقديم الدعم للمليشيات المحاربة. ويعمد الإعلام الحربي إلى نقل نماذج من الشجاعة والتضحية لمقاتلين عبر مقاطع مصورة مختلفة، وأحداث وقصص متنوعة، تثير حماس المؤيد، وترهب المعارض.

ولرسم الصورة الحماسية في ذهن المدنيين، اعتمد الإعلام الحربي للمليشيات الشيعية في المناطق المختلفة على الخطاب التفاعلي أكثر من الخطاب الإخباري، حيث يقود هذا النوع من الخطاب المدنيين نحو التحرك والعمل في اتجاه يكون محسوماً مسبقاً، ومساراً استهدفه هذا الإعلام قبل بث خطابه التفاعلي.

ولم يكتف، عادةً، الإعلام الحربي للمليشيات الموالية لإيران باستهداف المدنيين والمواطنين فحسب، بل تضمنت خريطتهم الإعلامية استهداف الرأي العام العالمي والإقليمي على حد سواء، ما يجعله متعاطفاً مع ما يقوم به، رافضاً- ولو ضمناً- رد فعل الطرف المقاوم، وهو ما بدا جلياً في بعض مواقف الأمم المتحدة بشأن سوريا واليمن والعراق، حيث اتسمت بعض تقاريرها بالجور والتحيز، وكانت بحق دعماً قوياً للمليشيات الإيرانية، برغم تعدد الشواهد على حجم الافتراء الذي يروجه الإعلام الحربي الموالي للمليشيات.

القناعة الإيرانية بأهمية الإعلام جعلها تحيط جهازها الإعلامي (مؤسسة الإذاعة والتلفزيون الإيراني) بطهران، بمنظومة دفاعية من المضادات الجوية؛ كبطاريات هوك الأمريكية، بالإضافة إلى بطاريات من مدافع 57 للدفاع الجوي، حيث كان لتلك المؤسسة دور حيوي إبان الحرب العراقية الإيرانية.

ولأهمية الجهاز الإعلامي لدى طهران فإنها انتبهت من اللحظة الأولى من الإطاحة بالشاه إليه، فاستطاعت توظيفه بفاعلية خلال سنين عدة، وفي هذا يقول الإعلامي السعودي مالك الأحمد، في مارس/آذار 2016: "رغم أن الفرس كقومية تمثل نصف إيران فقط (70 مليوناً)، إلا أن الحكومة استطاعت أن تمحو الهويات الثقافية للأقليات باستخدام الإعلام واللغة الفارسية".

 

 

عرض الصورة على تويترعرض الصورة على تويتر

اختراق ايران للعالم العربي والاسلامي اعلاميا

 

 

 

 

الأحمد أكد أن ملف الإعلام في إيران يعد ملفاً أمنياً، حيث تشارك فيه أقسام الإعلام في المخابرات الإيرانية والحرس الثوري، ومكاتب المسؤولين ووزارة الخارجية، إضافة إلى دوائر مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، التي يندرج تحتها: "الإعلام الداخلي، والإعلام المناطقي، والإعلام الخارجي، ووكالة الأنباء المركزية، وشركة الإنتاج السينمائي، وسروش للإنتاج الإعلامي والطباعة والنشر، ومهرجان الأفلام والموسيقى والفنون، ونادي الصحفيين الشباب (تتبعه إذاعة وقناة)، وكلية الإعلام في قم، وجامعة الإذاعة والتلفزيون للإعلام، ومراكز دراسات واستطلاع آراء، ومركز دراسات تلفزيونية، خلاف عشرات القنوات والإذاعات"، بالإضافة إلى مشاركة وكالات الأنباء الإيرانية السبع: "بارسينه، ووكالة أنباء الجمهورية الإسلامية (إرنا)، ووكالة أنباء الطلبة، ووكالة أنباء فارس، والقدس، والأنباء القرآنية، ومهر".

التحرك الإيراني من خلال دعمه للإعلام الحربي سعى منذ اللحظات الأولى إلى التوظيف السريع للحدث والمعالجة المباشرة؛ بهدف التأثير والتوجيه، شرط أن تكون كل أجهزة الإعلام المختلفة في كل البلدان متوافقة، وتصدر عن رؤية مشتركة، سواء في الخطوط العريضة أو حتى معالجة الحدث السياسي نفسه.

تحرك الإعلام الحربي والتوظيف السريع للحدث يقابله مزيد من الاعتقال، وحظر وغلق مؤسسات الإعلام الموالية للطرف الآخر، وهو ما يحدث في العراق وسوريا واليمن بحيث اتسم الخطاب الإعلامي بـ "الطائفية" في كل التغطيات، التي تنقل عبره حصراً، ويصبح الإعلام الدولي والإقليمي أسيراً لهذا المصدر الوحيد، فلا يوجد مصدر آخر يعرض واقعاً مغايراً غير المنقول.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص