عبد الملك المخلافي عبد الملك المخلافي
الحوثيون مطالبون باستعادة إنسانيتهم والإفراج عن المعتقلين

يفقد مشعلو الحروب القيم والمعاني التي تميز البشر، لكنهم أول من يفقدوا إنسانيتهم وأحد مظاهر فقدان الإنسانية عدم المبالاة بمصائر البشر، ومن مظاهرها انتزاعهم من حياتهم الآمنة إلى الموت، وانتزاعهم من منازلهم وأهاليهم إلى المعتقلات وأماكن الاختطاف والإخفاء القسري والتعذيب، ولهذا كنت حريصاً منذ توليت رئاسة الجانب الحكومي في المشاورات مع الانقلابيين أن تكون قضية المعتقلين والمختطفين والمخفيين قسراً في مقدمة الجهد للوصول إلى حل سياسي ينهي الانقلاب ويؤدي إلى إيقاف الحرب.

كان يقيني أننا إذا استطعنا أن نحقق اتفاقاً في هذا الملف فإننا نكون قد جعلنا من أشعل الحرب وهم الحوثيون في مرحلة استعادة إنسانيتهم وإذا استعادوا إنسانيتهم سهل عودتهم إلى العقل وسهل الاتفاق السياسي وبالتالي سهل إيقاف الحرب.

آلاف المعتقلين والمختطفين والمخفيين قسراً يتعرض أهلهم لآلام لا توصف، وفي مقدمة هؤلاء القادة الأربعة محمود الصبيحي وناصر منصور هادي وفيصل رجب ومحمد قحطان المختطفين والمعتقلين والمخفيين قسراً منذ ثلاث سنوات.

من موقعي الرسمي كرئيس للجانب الحكومي في المشاورات، عملت مع زملائي على أن تكون هذه القضية في مقدمة قضايا المشاورات والحل، واستطعنا أن نتوصل إلى أن تكون في مقدمة جدول الأعمال الذي جرى الاتفاق مسبقاً على قضاياه وتفاصيله قبل أن نذهب إلى مشاورات بييل في 15 ديسمبر 2015، كنّا آنذاك نرى أن الوقت قد طال بالمعاناة للضحايا وأسرهم، (مع أنه لم يكن قد مضى إلا ستة أشهر مقارنة بزماننا الآن) وأننا يجب أن نجد حلاً سريعاً، ولَم نعتقد أن الانقلابيين سوف يستمرون في إجرامهم بحيث نتحدث الآن عن السنة الثالثة للجريمة.

كان أيضاً يدفعنا للإسراع ما كشف من خلال بعض المفرج عنهم من أخبار فظيعة ومرّوعة عن التعذيب الذي يتعرض له المعتقلون ومازال قائماً حتى الآن، وهو تعذيب غير معهود بهذه البشاعة وهذا الحجم وهذا الشمول من قبل، كما أن وجودهم في معتقلات وأماكن احتجاز مجهولة وغير شرعية أو معروفة كان دافعاً آخر.

في بييل بسويسرا حيث اجتمعنا مع وفد الانقلابيين بقي الجدل بيننا وبينهم لأيام حول هذه النقطة، كنّا نُصر على ضرورة الاتفاق عليها وعلى الجوانب الإنسانية عامة، قبل أي حديث سياسي، بينما كان وفد الانقلابيين لا يرى لهذه المواضيع أهمية، وأحيانا يقولون إنهم غير مخولين بنقاشها، بالنسبة لنا كنّا نرى هذه القضايا ضرورية لبناء الثقة، وهي أيضا مؤشر مهم إذا كان الانقلابيون لديهم الاستعداد لوقف الحرب، بالأصح إذا كانوا يمتلكون قيماً إنسانية.

وتأكيداً لمسؤولية وقيم، وتعبيراً عن تطمين، فقد أكدنا أن الأمر يشمل التزامات متبادلة، فالحكومة ليست مع وجود معتقلين لا لدى الطرف الانقلابي ولا لديها، لذلك طالبنا بمعرفة مصير المختطفين والمخفيين قسراً بصورة خاصة وقدمنا كشوفات بهم حسب ذلك الزمن، وحسب ما توفر فقد توسعت الكشوفات بعد ذلك ومازالت، حتى أن سؤالاً كبيراً يرتسم حتى الآن بدون إجابة كاملة: كم عددهم بالضبط؟! فما قد نكون نعلمه أقل مما لا نعلم حسب عديد المؤشرات.

قدمنا كشوفات وفِي مقدمتها القادة الأربعة وطالبنا بجواب رسمي حول مصيرهم، لكن الانقلابيين لم يعيروا اهتماما لطلبنا ولا للالتزام المسبق ولا لتدخلات المبعوث وضغوط الدول الراعية.

كان السؤال الذي يحيرنا ما إذا كان الذين أمامنا يمنيون فعلا، فلم نشاهد على تعدد التجارب القاسية في بلادنا هذا القدر من عدم الإنسانية، وموت الضمير، وجهنا رسالة رسمية للمبعوث الأممي، وطلبنا الرد عليها في أجل محدد أو سنعلق مشاركتنا في المشاورات إلى أن نتلقى رداً، وبالفعل توقفنا عن المشاركة في أحد المواعيد، وأخيراً وبضغوط المبعوث الأممي وفريقه وضغوط الدول الراعية، وبعد أن طلب وفد الانقلابيين مهلة للرجوع إلى قيادتهم أبدوا الاستعداد للموافقة على معالجة النقاط الإنسانية (المعتقلون والإغاثة وحصار تعز)، وهلل المجتمع الدولي للاتفاق، لكن هذا الاتفاق لم ينفذ منه شيء حتى الْيَوْمَ بعد مضي ما يقارب العامين والنصف.

كانت إحدى قضايا المناقشات التي وجهنا بها مذكرة رسمية مكتوبة للمبعوث الأممي، وطالبنا أن يرد عليها الطرف الانقلابي رسميا، ما هو مصير القادة الأربعة؟ وأين هم الآن؟ وكيف يُنظم لزيارتهم؟ تهرب الحوثيون كثيراً عن الجواب، ثم قام محمد عبدالسلام (عبدالسلام فليته) رئيس وفد الحوثي بالانتحاء بي جانباً، وقال لي إن محمود الصبيحي موجود وهو بخير وكذا فيصل رجب وكانت هناك معلومات متداولة عنهم تقول ذلك أيضا، أما بالنسبة لشقيق الرئيس هادي اللواء ناصر منصور (السبعيني)، الذي لم يكن معروفاً مصيره حتى ذلك الوقت فقد قال لي عنه: هو بخير ويتناول أدويته باستمرار وأريدك ان تطمئن الرئيس هادي بذلك، وكانت هذه أول معلومة عنه.

أما مصير الرجل المدني محمد قحطان، فقد قال إنه لا يعرف مصيره وحاولت أن أعرف هل لا يعرف مصيره أم أنه غير مخول بأن يكشف عن مصيره؟، تناقض الرجل ثم أصر بالنهاية أنه لا يعرف عنه شيئا وأن من يعرف عنه واحد أو اثنين هو ليس منهما (في إحدى المرات توصل المبعوث الأممي السابق إسماعيل ولد الشيخ أحمد إلى أن مصير قحطان ليس إلا بيد عبدالملك الحوثي فقط).

بعد ذلك أصررت على طرح الموضوع علناً أمام الفريقين والمبعوث وأن يتم تنظيم زيارة لهم والرد حول محمد قحطان خلال فترة حددناها بعد نقاش بين أسبوع وأسبوعين، واتفقنا على ذلك وهذا ما لم يحدث حتى الآن.

كان مقرراً أن تتواصل المشاورات في 14 يناير 2016 ويكون ملف بناء الثقة والجانب الإنساني قد تم طيه وأن ندخل في الجانب السياسي، ولكن هذا اللقاء لم يحدث إلا في 24 إبريل في الكويت بعد انتظار أشهر وبعد انتظار أسبوع آخر لوصول وفد الانقلابيين، أما على صعيد الملف فقد بقي كما كان قبل توجهنا إلى «بييل» وكأنه لم يتم اتفاق ولا قدموا التزاماً أمام المجتمع الدولي.

في الكويت تكررت مواقف الطرفين حول هذا الملف وشكلت لجنة مشتركة، وتم تبادل الأسماء وقدم مكتب المبعوث مشروع اتفاق تفصيلي من عدة صفحات، كان يتم تعديله لمرات من قبل الانقلابيين، ولأكثر من مرة تحدث المبعوث وعدد من سفراء الدول الراعية أن اختراقاً قد تحقق في ملف الأسرى والمعتقلين والمختطفين والمخفيين قسراً، حاولنا أن نقدم مقترحات كثيرة لتحقيق اختراق فعلي في هذا الملف وتسهيله أمام تهرب وتبرير الانقلابيين لعدم الإفراج عن القادة الأربعة (ينص قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 تحت الفصل السابع على الإفراج الفوري والآمن وغير المشروط عنهم)، كان تبريرهم بأننا في حالة حرب وأن هؤلاء أسرى حرب وأن ذلك يشمل محمد قحطان أيضاً (المدني والقيادي السياسي الذي اقتحموا منزله بسهولة مرتين واختطفوه من منزله وليس من جبهة حرب)، إذ وصفوه بأنه أسير حرب، طرحنا مقترحاً أن يتم نقلهم إلى سلطنة عمان للإقامة فيها حتى توقيع اتفاق وانتهاء الحرب وعودة السلام وتحدثنا مع العمانيين بذلك، ولكنهم تمسكوا بموقفهم.

بالنسبة للمعتقلين بما فيهم الصحفيون، والناشطون، والسياسيون والرافضون للانقلاب، ومواطنون ليس لهم علاقة بشيء، أصروا أيضا على أنهم أسرى حرب، قدمنا مقترحا بأن يقوم الصليب الأحمر بزيارة الجميع وتدوين أسماءهم وإبلاغ أسرهم بوضعهم للتخفيف من آلامهم كمرحلة أولى وأبدينا الموافقة أن يشمل الأمر خلط الأسرى بالمعتقلين والمختطفين والمخفيين قسراً، رغم أن الأسرى محاربون وتنطبق عليهم قوانين أخرى ويتم تبادلهم عادة وهم مختلفون عن المعتقلين، لأننا أردنا تسهيل الحل ولأنهم جميعا بشر ويمنيون ويستحقون العودة لأهاليهم، ولكنهم في الأخير ورغم كل محاولاتنا وجهود المبعوث وفريقه والمجتمع الدولي تنصلوا من كل اتفاق وتراجعوا عن التزامهم بالتوقيع النهائي على ورقة الاتفاق التي جرى تعديلها بناء على طلبهم مرة بعد أخرى حيث أصبحت أقل من الحد الأدنى.

انتهت مشاورات الكويت بعد أكثر من 100 يوم بدون شيء واستمرت المعاناة، وارتفع عدد المعتقلين ومازال مصير الكثيرين منهم مجهولا وفِي مقدمتهم محمد قحطان، وفشلت الجهود الدولية بما فيها جهود المبعوث السابق إسماعيل ولد شيخ أحمد في زياراته المتكررة إلى صنعاء لزيارة المعتقلين بما فيهم القادة الأربعة أو في كشف وضع محمد قحطان، رغم أن المبعوث كان يتلقى وعودا بناء على جهود ووساطات دولية لقيامه بزيارتهم.

يمكن الحديث طويلاً عن هذا الملف الذي كان محل اهتمام دون توقف من الحكومة لكنه لم يكن بذات القدر من المجتمع الدولي الذي ربما نظر إلى أن جماعة الحوثي ليسوا إلا عصابة مدانة، وبالتالي كل شيء منها متوقع، كما أنه مازال الاهتمام به أقل من اللازم من الناشطين وخاصة في مجال حقوق الإنسان، وهو أقل من قبل المجتمع، ربما لأن أفراده، وخاصة في مناطق سيطرة الحوثيين يشعرون بأنهم هم أيضا تحت الاعتقال والخطف.

وحدهن أمهات وزوجات وأخوات المعتقلين يتحركن دون الرجال مدفوعات بالألم والمعاناة والشعور بالخيبة لغياب الرجال، وسيبقى هذا الملف الأساس لبناء الثقة.

ممارسات الحوثيين في هذا الملف تعبير عن سقوط أخلاقي وقيمي وديني وإنساني، وإن لم يغلقوا هذا الملف فإنهم سيستمرون في إجرامهم وحربهم بدون وازع أو دين أو إنسانية حتى يستطيع شعبنا التخلص منهم وإنهاء كل المآسي الكثيرة التي تسببوا فيها.

* نائب رئيس الوزراء، وزير خارجية الجمهورية اليمنية.

 

#الخليج

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص