د.أحمد الدغشي د.أحمد الدغشي
تأملات سُننية عجلى في أحاديث المناقب

يلاحظ في أزمنة الانكسار الحضاري والتراجع القيمي في المجتمعات المسلمة محاولة تشبث بعض أبنائها بما ورد من مناقب في آي القرآن الكريم وأحاديث المصطفى محمد -صلى الله عليه وسلم- بمعزل عن مدى دقة الاستشهاد وسلامة القراءة، ولكنها تأتي في الغالب تعويضا نفسيا عن التفريط في السلوك المؤهل لبلوغ ذلك المستوى، وهنا مكمن الداء أكثر،حيث يستشري الخطأ ويستمر، وتتردى القيم أكثر، فيما تدوم حالة الانكسار والتراجع، إذ الحصول على الشهادة بالمناقب حاضر في أذهاننا، فيما يصبح مسلك تزكية الذات وتبرئتها من أي انحراف أو تقصير غير منظور ولا مدرك هو المسلك الفعلي المستمر!

والواقع أن من ينعم النظر في آيات القرآن ذات الصلة،وكذلك أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- يصعب عليه مشايعة ذلك المسلك الأحادي في دمغ مجتمع بعينه بسمة كلية واحدة سلبية أو إيجابية، على نحو دائم مستمر، أيا ما اختلفت المراحل التاريخية والمواقع المكانية والبيئات الفرعية المختلفة، ولذلك نجد القرآن الكريم يشهد لليمنيين -على سبيل المثال- ويمدح حالهم وبيئتهم الجغرافية في حقبة من الحقب، بوصفها منّة من الله تعالى ونعمة، لكنهم لما لم يرعوها حق رعايتها، بل تبدل أمرهم إلى الضد من ذلك، نجد الآية الكريمة تحولت من المدح إلى القدح في سلوكهم أنفسهم، ففي جزء من الآية يمتن عليهم ببعض تلك النعم، لعلهم أن يشكروا ويستقيموا، لكنهم لما لم يمضوا كذلك، بل جحدوا وتنكروا، لم تلبث الآية نفسها من سورة سبأ أن تذمهم في السياق ذاته لكفرانهم بآلاء الله وجحودهم:

 

(لقد كان لسبأ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال، كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور، فأعرضوا فأرسلنا عليهم سيل العرم وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل وشيء من سدر قليل.ذلك جزيناهم بما كفروا، وهل نجازي إلا الكفور ....) راجع الآيات: سبأ ١٥-١٩. كما أن شهادة النبي -صلى الله عليه وسلم- لليمنيين أصحاب أبي موسى الأشعري في تلك الحقبة بكونهم أهل إيمان وحكمة وفقه: "جاءكم أهل اليمن أرق قلوبا، وألين أفئدة، الإيمان يمان، والحكمة يمانية" وفي بعض الروايات "والفقه يمان" يستحيل -من وجهة نظري- أن يصبح ذلك الحديث الشريف أشبه ب(صك غفران) دائم خالد لليمنيين جميعا، أيا ماتغير سلوكهم، أو اختلف نمط استجابتهم للحق والدعوة الراشدة والخلق القويم، وهاهي ذي شهادة التاريخ والحاضر غالبا تشهد بعكس ذلك السلوك الوارد في الحديث الصحيح وغيره من أحاديث مناقب أهل اليمن، وقس على ذلك مناقب غيرهم من المجتمعات والشعوب، ومن ثم فالسلوك الجيد أو عكسه يختلف -لدى اليمنيين وسواهم- باختلاف المراحل وأنماط السلوك، بفوارق مختلفة، تخضع لجملة العوامل المجتمعية التربوية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية...إلخ وهذا أمر ينسجم وعدالة الحق -تعالى- تلك التي لاتحابي عرقا أو سلالة أو شعبا أو مجتمعا أو قطرا أو أمة، لأي اعتبار ضيّق محدود خارج عن سنة السلوك الراشد والخلق القويم، فعلى المستوى الفردي:

(وأن ليس للإنسان إلا ماسعى، وأن سعيه سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى) النجم:٣٩-٤١

(وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه، ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا. اقرأ كتابك بنفسك، كفى بنفسك اليوم عليك اليوم حسيبا...) الإسراء:١٣-١٤.

وعلى المستوى الجماعي:

(وقفوهم إنهم مسؤولون) الصافات:٢٤

(ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، من يعمل سوءا يجز به، ولايجد له من دون الله وليا ولانصيرا ) النساء: ١٢٣ .

 

على أن ذلك لايعني أن كل آية أو حديث ألمحا إلى محمدة في مجتمع بعينه -ومنها المجتمع اليمني-انتهى زمنها، ولم تعد قائمة اليوم، بل الأمر منوط بمدى تأهل كل جيل لقراءة تلك الآيات والأحاديث على نحو من التطلع إلى بلوغ تلك المرتبة العليا، أو المقام السامي، حين يتسابقون إلى تمثل تلك الشهادة عمليا، لا أن يقتصر الأمر على مجرّد ترديدها لفظيا، على نحو من خداع الذات، بادعاء تزكيتها سلفا، حتى لو كان السلوك الفردي أو الجماعي على النقيض منها. اللهم بصرنا.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص