محمد الجماعي

إلى معالي وزير الإعلام.. اكسروا قيود البروتوكول والتحموا بإعلام الميدان! الوزارة والجزر الإعلامية المتحدة

محمد الجماعي
الجمعة ، ٠٦ نوفمبر ٢٠٢٦ الساعة ٠٨:٠٤ مساءً

لا أريد أن أكرر ما كُتب من رسائل ونصائح إلى وزير الإعلام الجديد بشأن إصلاح المؤسسات الإعلامية، وإعادة ترتيب قياداتها، وتوحيد الخطاب الإعلامي، ومواجهة الشائعات والتضليل. فقد تضمنت كثير من الطروحات أفكاراً مهمة تستجيب لمتطلبات المرحلة وتحدياتها.

لكنني أريد أن ألفت انتباه معالي الوزير إلى فرصة مهمة قد تكون من أسرع الطرق لاستعادة حضور وزارة الإعلام وتأثيرها في المعركة الوطنية، وهي كسر البروتوكولات الرسمية، والخروج من دائرة المكاتب والاجتماعات المغلقة، والالتحام المباشر بالإعلاميين والصحفيين وصناع المحتوى العاملين في الداخل.

فوزارة الإعلام ليست مجرد مؤسسة تمتلك عدداً من المنابر والقنوات والمواقع، وليست مهمتها منافسة الوسائل الإعلامية الأخرى، وإنما تتمثل مسؤوليتها الأساسية في صناعة التأثير، وتوجيه الخطاب الوطني، وتعزيز حضور الدولة في المشهد الإعلامي. وخلال السنوات الماضية، كثيراً ما وجدنا أنفسنا نتابع إيقاع إعلام الخصم ونتعامل مع أجنداته، بدلاً من امتلاك المبادرة وصناعة الحدث وتوجيه الرأي العام.

معالي الوزير، تخيل أنك تسلمت مسؤولية مؤسسة بعد أن ظل شخص آخر يؤدي مهامها طوال اثني عشر عاماً، ويملأ فراغها بإخلاص واجتهاد وتفانٍ، دون أن ينتظر تكليفاً أو مقابلاً، ثم جئت لتجد أن العمل استمر، وأن هذا الشخص لم يتخلَّ عن مسؤوليته، ولم يدر ظهره لقضيته، ولم يتوقف بسبب غياب الدعم أو ضعف التقدير. كيف سيكون موقفك منه؟ وأي مسؤولية تفرضها عليك هذه التجربة تجاهه؟

على امتداد اثني عشر عاماً من الحرب، لم يكن الحضور الإعلامي الوطني محصوراً في المؤسسات الرسمية التي عملت من الخارج، رغم تقديرنا لما بذلته من جهود وما واجهته من ظروف صعبة. فقد كان هناك إعلاميون وصحفيون ومحللون وكتاب وشعراء وفنانون وملحنون ورسّامون ومصورون ومخرجون، ومراكز إعلامية ومواقع إخبارية وإذاعات ومنصات ومراكز دراسات، عملوا في الداخل بإمكانات متواضعة وظروف بالغة التعقيد، مدفوعين بإيمانهم بالقضية الوطنية وواجبهم تجاه وطنهم.

في عدن وتعز ومأرب والضالع والمخا وميدي وشبوة وأبين وحضرموت والمهرة وسقطرى والجوف ولحج وغيرها من المناطق، لم تكن الجغرافيا مجرد أسماء تتكرر في نشرات الأخبار، بل ساحات مواجهة وتضحيات، دفع أبناؤها أثماناً باهظة في ميادين القتال، وتحمل الإعلاميون فيها مخاطر التغطية والتوثيق ونقل الحقيقة وإيصال صوت الميدان إلى الداخل والخارج.

أتذكر جهود عشرة من الزملاء الصحفيين الذين انطلقوا منذ الساعات الأولى للانقلاب الحوثي من قلب العاصمة المختطفة صنعاء، بجهود ذاتية وإمكانات محدودة. وبعد سبعين يوماً من عملهم، وقعوا في قبضة المليشيا الحوثية، وقضوا ثمانية أعوام ونصف العام في السجون. خرجوا من المعتقل أكثر إصراراً على مواقفهم الوطنية، ولم يكن بينهم موظف حكومي واحد، ولم يجعلوا من تضحياتهم وسيلة للمطالبة بمنصب أو امتياز في وزارات الإعلام أو الثقافة أو حقوق الإنسان.

وهناك عشرات الزملاء الذين رابطوا في الداخل، وأداروا مواقع إخبارية، وصنعوا الرأي العام، وواصلوا العمل ليلاً ونهاراً دون إجازات أو استقرار وظيفي. وهناك رسامون ومصممون ومصورون ومراسلون حربيون لم تتوقف أدواتهم عن أداء رسالتها، حتى في أصعب الظروف.

من هنا كانت الصورة تُلتقط، والخبر يُكتب، والتقارير تُنجز، والجبهات تُنقل تفاصيلها بجهود صحفيين وإعلاميين خاطروا بحياتهم لإيصال الحقيقة وتعزيز المعنويات. لكن المفارقة أن الرواتب والمخصصات والإعاشات والمنح والسفريات والمؤتمرات والامتيازات ظلت في معظمها بعيدة عن هؤلاء العاملين في الداخل، وكأن سنوات عملهم وتضحياتهم لا تدخل ضمن حسابات المؤسسة الرسمية.

معالي الوزير، هؤلاء لا يطالبون بإخضاع المؤسسات الصحفية المستقلة لسلطة الوزارة، ولا بمصادرة استقلالها المهني أو تحويل رصيدها التراكمي إلى وظائف حكومية، وإنما يطالبون بشراكة حقيقية تحفظ استقلال العمل الصحفي، وتستثمر الطاقات الموجودة في الداخل، وتوحد الجهود في مواجهة مليشيا الحوثي ومشروعها الانقلابي، وصولاً إلى استعادة الدولة ومؤسساتها.

إن المعركة الإعلامية تحتاج اليوم إلى شبكة وطنية فاعلة للتواصل والتنسيق والاستجابة السريعة، تعمل وفق استراتيجية واضحة وخطة مشتركة، وتربط الوزارة بالإعلاميين في الميدان. ويمكن أن يتحول مبنى وزارة الإعلام في العاصمة المؤقتة عدن إلى ملتقى وطني مفتوح، يجمع الصحفيين وقادة الرأي وصناع الإعلام، ويوفر مساحة دائمة للحوار والتنسيق وتبادل الخبرات، من خلال غرفة خبراء تمتلك الكفاءة والقدرة على إدارة هذا العمل.

نحن بحاجة إلى وزارة تستوعب التعدد الإعلامي، وتحترم استقلال المهنة، وتواجه التضليل والشائعات، وتعمل على صياغة خطاب وطني جامع لا يختزل اليمن في سلطة أو حزب أو مكون أو منطقة، بل يعبر عن تطلعات اليمنيين وقضيتهم الوطنية الجامعة.

وبعد اثني عشر عاماً من الحرب، فإن أولى خطوات استعادة تأثير الوزارة تبدأ من الميدان؛ بالاستماع إلى العاملين فيه، والتعرف على تجاربهم واحتياجاتهم، والاعتراف بدورهم، وفتح صفحة جديدة عنوانها الشراكة والمسؤولية الوطنية.

معالي الوزير، لا تبدأوا من الصفر، فهناك من عمل طوال سنوات الحرب، وهناك من دفع من عمره وحريته وحياته ثمناً لهذه الرسالة. لا تتركوا هذه الطاقات خارج حسابات الوزارة، ولا تجعلوا المسافة بين المؤسسة الرسمية وإعلام الداخل تتسع أكثر.

اكسروا البروتوكول، وانزلوا إلى الميدان، وافتحوا أبواب الوزارة أمام الجميع. فاستعادة الدولة لا تحتاج إلى جبهة عسكرية فقط، بل إلى جبهة إعلامية وطنية موحدة، تحمي الوعي، وتحصّن الأجيال، وتدافع عن هوية الجمهورية، وتساند مؤسسات الدولة واقتصادها ومكتسباتها.

**إعلام الميدان ليس عبئاً على الوزارة، بل هو أحد أهم أرصدتها التي ينبغي أن تستثمرها وتمنحها حقها من الاهتمام والتقدير.**

وقد أطلت، وإلى اللقاء.

#فجر_اليمن

#تعز_تنتصر