مرة أخرى، يطل المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتعبيرات محمّلة بالقلق في لحظة مفصلية من المواجهات العسكرية في البلاد، بالتزامن مع استعادة القوات الحكومية زمام المبادرة في عدد من الجبهات وتقدمها أمام مليشيا الحوثي.
وجاءت دعوة "جروندبيرج" إلى وقف الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، في وقت كانت فيه القوات الحكومية قد حققت تقدمًا في الساحل الغربي وريف محافظة تعز، إلى جانب تحركات عسكرية في محافظتي البيضاء والجوف، وذلك عقب أسابيع من التصعيد والهجمات الحوثية.
وأثارت تصريحات المبعوث الأممي موجة غضب واسعة على مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة أن دعوته جاءت، وفق منتقديه، بعد فترة من الهجمات الحوثية التي استهدفت محافظتي تعز والحديدة، وترافقت مع إطلاق عشرات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه مدن ومواقع مدنية.
ومنذ تعيينه مبعوثًا أمميًا خاصًا إلى اليمن في أغسطس 2021، ارتبط اسم غروندبرغ بسلسلة من البيانات والإحاطات التي تدعو إلى خفض التصعيد وضبط النفس والعودة إلى المسار السياسي.
وفي بلد أنهكته الحرب وتفاقمت فيه الأوضاع الإنسانية والاقتصادية على مدى سنوات، يرى هؤلاء أن التركيز على الدعوة إلى وقف القتال، من دون معالجة أسباب الحرب والانقلاب وسيطرة مليشيا مسلحة على مؤسسات الدولة، أسهم في إطالة الأزمة بدلًا من إنهائها.
ومع تعقّد الملف اليمني وتداخل العوامل المحلية والإقليمية والدولية، لم يبتعد غروندبرغ كثيرًا عن النهج الذي اتبعه مبعوثون أمميون سابقون، والقائم على التعامل مع طرفي الحرب بوصفهما طرفين في نزاع يحتاج إلى تسوية سياسية.
غير أن هذا النهج يواجه اليوم انتقادات كثيرة وحالة غضب متزايدة، خصوصًا مع تفاقم الأوضاع الإنسانية وعودة المعارك إلى الواجهة وتغير موازين القوة في بعض الجبهات.
وفي أحدث مواقفه، دعا غروندبرغ الأطراف اليمنية إلى وقف جميع الأعمال العدائية وممارسة أقصى درجات ضبط النفس، محذرًا من أن العودة إلى قتال واسع النطاق ومستمر ستكون لها عواقب وخيمة على المدنيين، كما ستزيد من صعوبة الوصول إلى تسوية سياسية.
وبمجرد تداول تصريحاته، انهالت تعليقات الغضب من قبل مرتادي مواقع التواصل الاجتماعي، معتبرين أنه أصل المشكلة وسبب إطالتها باسم الهدنة والسلام والتسوية السياسية.
وطالبوا مجلس القيادة الرئاسي والحكومة بعدم الاستجابة لمطالبه، والتوجه نحو حسم المعركة وإنهاء معاناة المدنيين التي فرضها انقلاب مليشيا الحوثي.
كما أعادوا التذكير بكارثية اتفاق ستوكهولم، الذي أوقف قوات الجيش على مشارف مدينة وميناء الحديدة خلال العام 2018، وكذلك بمعاناة أهل غزة ومذابح الاحتلال الإسرائيلي، مشيرين إلى تجاهل الأمم المتحدة لتلك المذبحة.
وطالبوا الحكومة أيضًا بالاقتداء بإجراءات السودان الأخيرة، التي عبّر قادتها صراحة عن رفض المبعوث الأممي فولكر، بتهمة عدم الحياد والتدخل في الشؤون الداخلية.
يأتي ذلك، بينما إجراءات مليشيا الحوثي وجرائمها لم تستثنِ أحدًا، بما في ذلك موظفون أمميون لا تزال تختطفهم في سجونها، وقدمت بعضهم للمحاكمات، وآخرين تعرضوا للتعذيب.
وفي مناطق سيطرتها، منعت المليشيا عمل العديد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، ووجهت إليها العديد من الاتهامات، بينها التخابر مع الخارج.
على الصعيد الرسمي، اعتبر وزير الإعلام معمر الإرياني أن بيان المبعوث الأممي يثير جملة من التساؤلات المشروعة، متسائلًا عن موقفه خلال الأسابيع التي شهدت، بحسب الحكومة اليمنية، تصعيدًا واسعًا من جانب مليشيا الحوثي.
وقال الإرياني، في حسابه على منصة «إكس»، إن الحوثيين قصفوا مدنًا وأحياء سكنية ومنشآت مدنية، واستخدموا الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، واستهدفوا مدنيين وبنى تحتية في محافظات عدة، بالتزامن مع دفع تعزيزات عسكرية إلى مختلف الجبهات.
وتساءل الوزير: أين كانت دعوات ضبط النفس عندما كانت مليشيا الحوثي تحشد الآلاف من عناصرها باتجاه جبهات تعز، في محاولة جديدة لخنق المحافظة وقطع ما وصفه بآخر شريان للحياة أمام ملايين السكان فيها؟
كما أشار إلى التصعيد في الساحل الغربي، معتبرًا أن تحركات الحوثيين هناك تستهدف الوصول إلى مضيق باب المندب، وتحويل هذا الممر البحري الحيوي إلى ورقة ضغط وتفاوض تستخدمها إيران، وفق تعبيره، لتهديد أمن الملاحة الدولية والمصالح الإقليمية والدولية.
وأكد أن الحديث عن التصعيد الأخير بمعزل عن سياقه وأسبابه يقدم قراءة مجتزأة للتطورات، داعيًا المبعوث الأممي إلى تحديد الطرف الذي بدأ التصعيد وتوجيه الضغط إليه، بدلًا من وضع الدولة والقوات المسلحة في كفة واحدة مع مليشيا انقلابية مسلحة.
بدوره، اعتبر نائب وزير الخارجية مصطفى نعمان أن التصعيد الحوثي الأخير يستوجب إدانة صريحة من الأمين العام للأمم المتحدة والمبعوث الخاص إلى اليمن.
وقال نعمان، في حسابه على منصة «إكس»، إن المسؤولية الأخلاقية والقانونية تفرض الإشارة بوضوح إلى المتسبب في اندلاع المواجهات الأخيرة، متحدثًا عن قصف منشآت مدنية وطرق يستخدمها المواطنون، بما في ذلك ميناء المخا، وفق تصريحاته.
وأكد أن استمرار الأعمال العسكرية من جانب الحوثيين سيقابله رد من القوات المسلحة اليمنية، باعتبار أن حماية المواطنين والدفاع عن مؤسسات الدولة، وفق الموقف الحكومي، يدخلان في صميم مسؤولياتها الدستورية والوطنية.
واعتبرت وزيرة الشؤون القانونية، إشراق المقطري، أن المركز القانوني للوضع في اليمن واضح، ولا يحتمل المساواة بين مؤسسات الدولة الشرعية ومليشيا مسلحة استولت بالقوة على العاصمة ومؤسسات الدولة وسلاحها.
وأوضحت أن أي دعوة إلى وقف العمليات العسكرية لا تقترن بمطالبة صريحة للمليشيا بإنهاء الانقلاب، والانسحاب من المناطق التي استولت عليها، وتسليم سلاح الدولة، تتحول عمليًا إلى دعوة لتجميد الوضع غير المشروع ومكافأة المليشيات التي فرضته بالقوة.
وقال مستشار رئيس مجلس القيادة، عبد الملك المخلافي، إن القوة التي تستند إلى الحق والقانون هي وحدها القادرة على تحقيق آمال الشعب اليمني، وصنع السلام، وتجنيب اليمنيين والمدنيين شرور الموت والدمار اللذين تسببهما عصابة التمرد والإرهاب الحوثية، وليست تصريحات موظفين أمميين لم يحققوا نجاحًا يُذكر في تنفيذ القرارات الأممية وصنع السلام.
وتأتي حالة الغضب الشعبي من تصريحات غروندبرغ في ظل تراكم سنوات من الحرب والهدن والمفاوضات غير المكتملة، وما يعتبره اليمنيون خذلانًا متواصلًا وتدليلًا لمليشيا الحوثي، رغم ما ارتكبته من جرائم في مختلف أنحاء البلاد.
ولذلك، ينظر كثيرون منهم إلى أي محاولة للتأثير على تقدم الجيش أو وقف عملياته باعتبارها تدخلًا غير مقبول في مسار المعركة، وتدخلًا في حق الشعب اليمني في إنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.




