د.أحمد الدغشي د.أحمد الدغشي
شوقي القاضي....والحيرة المتأخرة في شخصية أتاتورك!

يحلو للأخ الأستاذ شوقي القاضي النائب البرلماني عن حزب الإصلاح (الإسلامي) أن يردد مرارا في الآونة الأخيرة أمنيته أن يقف على دراسة منصفة لمؤسس العلمانية التركية مصطفى كمال أتاتورك، تعمل على تغيبر الصورة السلبية النمطية المتواترة عنه، وما صنع بتركيا( الحديثة) والعالم الإسلامي -من ثم- بحكم الدور المحوري الذي تمتلكه تركيا في العالم الإسلامي، مكتشفا اخيرا أن ما هو معروف عن شخصيته لدى أغلبية أمتنا المعاصرة لايخرج عن مسألة كلام خصومه فيه، وأن ذاك حكم انطباعي لا دراسة موضوعية!
حديث الصديق شوقي يوحي كما لو أن أتاتورك شخصية بلغتنا من الزمن الغابر البعيد الذي تداخل في روايته الصحيح بالسقيم، والموضوعي بالذاتي، والحقيقة بالوهم، لتقادم الزمان، لكنه - يا أستاذ- معاصر توفي في سنة ١٩٣٨م فقط،والبلد الذي فرض على حكمه ليس نكرة بين الأمم والحضارات، بل هو شعب حضاري عريق، حيث ظلت تركيا العثمانية تقود العالم الإسلامي لخمسة قرون، كندّ حضاري عنيد للغرب، ولذلك تآمر عليها بكل وسائله، ومنها عبر بعض الأتراك أنفسهم ومن أهمهم أتاتورك وجنعية الاتحاد والترقي. ومن البداهة أن تسجل إنجازاته وأعماله كغيره من الكبار، وأعني بإنجازاته السلبي منها والإيجابي، ناهيك عن أن يكون جوهر ما أرساه هو السائد نظريا حتى اليوم في تركيا. وسياساته هي المطبقة عمليا كذلك، إلى قبل ما لايكاد يزيد عن خمسة عشر عاما فقط من الآن.
وإذا كان كل أحد لايخلو من الجانبين(السلبي والإيجابي) إلا أن العبرة دائما بالغالب منها . واذا كان لأتاتورك أتباع بالملايين فإن لفرعون وهتلر وموسوليني وستالين وشارون وحافظ أسد ونجله بشار والقذافي ونجله سيف والسيسي والخميني والحجاج بن يوسف وعبد الله بن حمزة والحوثي وابن لادن، وسواهم أتباعا بالملايين كذلك، رغم ما استقر لدى كل باحث منصف أو متابع مثقف حصيف من سمات جوهرية قاتلة في شخصيات أولئك-على سبيل المثال فقط -. ولئن ألقيت على أيّ من أتباعهم -ولاسيما المثقفون منهم- سؤالك الذي وضعته عن أتاتورك فسيقدمون لك الوجه الآخر الإيجابي -بمنظورهم- وهو الذي يسؤوك، كما ولن تقبله -كما أحسب-. أما إن عدت لتقول لن أسأل خصومهم الشانئين ولا أتباعهم الغالين، بل أبحث عن دراسة موضوعية منصفة لأي منهم، فدعني أسألك هنا كذلك: هل تعتقد أن النتيجة ستختلف في جوهرها؟ أحسب أن العزيز شوقي سيسبقنا جميعا إلى الجواب بأنها لن تختلف! حسنا وهل سيتغير الأمر في شأن أتاتورك؟ ولماذا؟ السؤال موجه لشوقي .
وكتأكيد من جانبي على سلامة النتيحة بين أتاتورك وتلك القائمة ممن أوردت اسماءهم آنفا، آمل من الأستاذ أن يقوم بنفسه الآن ويبحث إلكترونيا فقط - إن لم يجد وقتا لبحث علمي أصيل - عن شخصية أتاتورك وإنجازاته لمن شاء من كتاب وباحثين ممن يصنفهم في إطار الحياد، ولينظر كيف ستجيبه أعداد هائلة من تلك البحوث والكتابات التي يمكنه وصفها بالموضوعية، حين تقدم شخصية أتاتورك وأعماله على نحو مجرّد من المدح أو القدح، لكنها في مؤداها لن تخرجه عن التصنيف -لمن أراد التصنيف- عن تلك القائمة السالفة للآخرين. لكن لابد من استدراك ربما رآه البعض متكلفا أو ربما ساذجا، وربما رأى فيه شوقي خاصة -كعادته في التهويل أحيانا الى حد فقدانه بسبب ذلك أصدقاء ومحبين- إرهابا فكريا أو تكفيرا - من يدري- وفحواه: 
هل لاتزال معايير شوقي في الحكم على الأفكار والسلوكات هي معايير جمهرة المسلمين وعلمائهم ومفكريهم الأصلاء؟ أم غدت تلك في نظره موضة تراثية قديمة، ضُحِك بها علينا كثيرا، كما قال عن مواقف أخرى، في غير ما مناسبة؟!

والآن : لئن كانت لأتاتورك إيجابيات فماذا عساها أن تصنف بجانب سلبياته الكبيرة القاتلة؟ ولعل من أبرزها أنه كان الأداة العميلة الأبرز للغرب المتآمر على بلده بل ورمز حضارة الأمة، أي الخلافة العثمانية أو ماتبقى منها لإسقاطها، بعد أن أطلقوا عليها (تركة الرجل المريض)، وتلك حقيقة بدهية كان يفاخر بها أتاتورك، ولايزال شيعته داخل تركيا وخارجها إلى اليوم يقدمون لها المبررات تلو المبررات.
ومن إنجازاته الكبرى المشهودة التي لاتمثل سرا ولاجانبا من حياته الشخصية الخاصة قيامه بالغاء كل المظاهر التي تربط تركيا بأمة الإسلام والعرب بوجه أخص، كإلغاء الشريعة ابتداء، وإعلان فرض اللحاق التام بالنموذج الغربي ليس في التكنولوجيا والإدارة -مثلا- بل في السلوك الفردي والجماعي والجوانب الأخلاقية التي تميز شخصية المسلم عن غيره، وفي مقدمة ذلك منع المرأة المسلمة أن تضع خمارا على رأسها، ناهيك عن مايعرف بالحجاب الكامل، أما النقاب فخارج عن السياق ابتداء، فامتهنها بفرضه عليها لباسا مخالفا لبدهيات دينها وإجماع الأمة خلفا عن سلف، وتلك حريتها الشخصية على أي حال. وشجع اللباس الغربي للمرأة التركية، ووضع نموذج المراة الأوروبية النموذج المحتذى المطلق، وضمّن فحوى ذلك القوانين النافذة بعد أن الغى المحاكم الشرعية(راجع: كتاب زوجة أتاتورك لطيفة هانم، امرأة مذمومة ولكنها غير منسية، إيبيك جاليشلار).وما نموذج النائبة التركية المحجبة مروى قاوقجي الفائزة عن حزب العدالة والتنمية في ١٩٩٩م وحرمانها من حق العضوية في البرلمان، بسبب غطاء رأسها إلا من المآثر الشهيرة لعلمانية أتاتورك المظلوم المفترى عليه عند النائب الإسلامي شوقي القاضي (سأسحب وصف الإسلامي في وصف ا.شوقي القاضي حيثما وردت، إذا كان ذلك مما اكتشفه مؤخرا سبّة واحتكارا للدين ).
قام أتاتورك بحكم موقعه في رئاسة الدولة وما غدا يمتلك من صلاحيات إلى إلغاء الحروف العربية، والأذان بها، والتعليم بها أو لها، واستبدالها باللاتينية، حتى رفض ارتداء الطربوش التركي والعمامة، كرمز على الشخصية التركية العثمانية، ثم فرض التعليم العلماني بمسمى المدني، ومضى في محاربة كل مظهر ينبىء أن له صلة بالدين، الى حد محاربة شعيرة الصلاة في المساجد، خاصة من قبل الشباب، واسأل الأتراك الذين تعيش بينهم كيف كانت مظاهر التدين الشعائري وحدها الى ماقبل ٢٠ سنة فقط؟ وكم عدد المساجد التي كانت مغلقة أو تحولت إلى متاحف فقط، وهل كان يجرؤ أحد ان يمارس العبادة الشعائرية في المسجد ناهيك عن مؤسسة حكومية؟ أما عسكرية فتعدّ من دلائل الخيانة الكبرى! وماذا فعلت المؤسسة العسكرية هذه التي أقامها أتاتورك وشكّل قياداتها من فئة اجتماعية معينة في أغلبيتها، وهي على عداء شهير بالدين الأصيل والمصنفين على ريادته خاصة؟وهل أرست المؤسسة العسكرية: الديمقراطية أم انقلبت عليها مرارا؟ خاصة حين يكون الحزب الفائز بإرادة الشعب التركي منتميا الى الحضارة الأصيلة للشعب التركي مثل حزب الرفاه والسعادة والفضيلة؟ ولولا إنجازات حزب العدالة السريعة وقوة شخصية أردوغان بوجه أخص، وقدرة الحزب على إعادة هيكلة تلك المؤسسة وانصافها في الرواتب والحوافز وغيرها، لانقلبت عاجلا، وقد حاولت ذلك مرار وفشلت، وفي بعضها بتنسيق مع بعض الدول الغربية والولايات المتحدة، وكيف أن هذه المؤسسة التي تمثل أكبر منجزات أتاتورك ظلت سيفا مشهرا في وجه كل من يبغي الارتقاء بتركيا إلى حاضنتها الحضارية الأصيلة، كي تعود قائدة رائدة كما هي اليوم في ظل حزب يختلف تمام الاختلاف مع أتاتورك وفلسفته وحزبه (حزب الشعب الجمهوري).ولا أزال أتذكر أن صديقي شوقي كان يحدّثنا أن من أكره الألقاب إلى نفسه ثلاثة: أفندم وشيخ وسيّد -إن لم تخني الذاكرة في الثالثة- فهل نسخت الأولى بعد أن حل شوقي في تركيا ذات السجل العسكري (الفريد)؟!
اتدري ياشوقي لو قُدِّر أن لجأت إلى تركيا في عهد حكم أتاتورك وأتباعه، وأنت لاتزال تصنف على حزب (إسلامي)- أيا كان انفتاحه- لما رحِّب بك ابتداء، لكنك اليوم في ظل حزب العدالة والتنمية، وفي ذروة صراعه مع حزب أتاتورك (الشعب الجمهوري) تجهر بآرائك التي تصب في قالب خصوم العدالة وأتاتورك، دون أن يمسك أحد بسؤ!

أردوغان وحزبه غير قادرين على البوح بكل شيء بحكم أغلال الدستور العلماني المتطرف ونصوصه المتشددة، فيضطر كثير منهم لإظهار إيمانه بالعلمانية، خوفا من مقصلتها في الحرية والكرامة والإقصاء، ولك أن تقرأ نصوص ذلك الدستور، لتعرف (عظمة) العلمانية التركية ومفخرتها وإنجازاتها الديمقراطية الكبرى!

 

والآن لك أن تتساءل عن الإنجازات الإيجابية التي قدمها أتاتورك بعد ذلك؟ هل إعادة شعب تركيا من صدارة قيادة العالم الإسلامي وحالة الندية لأوروبا والغرب الى مؤخرة دول أوربا التي جعلت تركيا الحديثة تتسول المرة بعد الأخرى في سبيل إدراجها في الاتحاد الأوروبي، و يأتيها الرفض كل مرة، بدعوى أنها غير مؤهلة بعد لذلك، وأن الاتحاد ناد مسيحي خالص !
ماذا عسى إنجازات اتاتورك المطمور ة كما تتخيل أن تكون ياترى؟
تذكر أستاذ شوقي سُنّة أن التاريخ يكتبه المنتصر وقد كان أتاتورك وعلمانيوه في تركيا وأتباعه في أمتنا هم المنتصرين لعقود مديدة، على ماتبقى من رمز حضارتنا (المهترئ)، فكيف لم يبرزوا مآثرهم الكبرى المشرقة،ولم يفندوا افتراءات خصومهم المنهزمين؟ لو صحت فرضيتك الغريبة بأننا لانعلم الجانب المشرق لأتاتورك وإنجازاته وأننا نجري وراء الانطباعات فقط !!
وأخيرا رغم مايبدو في الأمر من غرابة فأجدد مناشدتي لك أيها العزيز أن تطبق هذا المنهج في تلمس المبررات والمعاذير على الجميع، بمن في ذلك خصومك، أو من صرت تعدّهم كذلك، وفي مقدمتهم علماء الأمة ومفكروها الكبار، وفي مقدمتهم إمام العصر، ورمز الوسطية والاعتدال: يوسف القرضاوي- وإن بدا خصم العلمانيين الاستئصاليين الأكبر، وبعض كبار صنّاع القرار في الغرب - .

 

* من حسابه على موقع "فيسبوك"

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص