نور ناجي نور ناجي
والقلب اذا هوى !!..

لم أكن قد ميزت إن كان ما أراه حقيقة أم انني ما زلت ملتصقة بالنوم كناموسة على سطح صابون مبلول، دققت نظري بأجفان شبه مغلقة، قبل أن اعاود اطباقها سريعاً، "هل لمحتني يا ترى؟!"،

 

صرخ قلبي مستنكراً :" ما الذي أتى بها اليوم ؟!، رباااه، إن كنت في حلم فايقظني على عجل، وإن كانت زيارة حقيقة أرجوك اخفني في أحد كهوف النسيان لبضع مئات من السنين فقط!!"..

 

لعلكم تتسائلون عن المتربعة فوق مقعد التسريحة، وتحدق فاغرة فمها للمرآة بتركيز لنزع شعرة من حاجبها الأيمن؟!..

 

أنها " انا"، بشكل أدق النسخة المتفائلة من " نور "، تلك الساذجة التي لا تكف عن طرح المشاريع الفاشلة ورسم خطط الخزعبلات الوهمية التي لا تخرج عن نهاية مكرمشة ملقاه أوراقها في سلة المهملات، ما الذي جاء " بنور المتفائلة" هذا النهار بعد غياب ظننت أن لا رجعة له ..

 

طال وقت ادعائي النوم حتى يتسلل اليها الملل لعلها تغادر بصمت كما جاءت، لكن يبدو من خلال استراقي النظر لجلستها المستريحة أنها ستنتظر في الغالب لحظة استيقاظي ، لا مفر اذن، رفعت رأسي اخيراً من الوسادة اهرش شعري متثائبة في تكاسل :" ما الذي جاء بك في هذا الوقت المبكر ؟!"..

 

تركت " نور المتفائلة " المقعد لتقفز على طرف السرير بحدقات تلمع عليها آلاف النجوم، وهي تخرج عباراتها التي يبدو من سرعتها انها معدة سلفاً :" صباح الخير، مفاااااجاااأة، جئت لكِ بفكرة عبقرية، غير معقولة، سأنال عليها شكرك العميق لبقية أيام حياتك أو حياتنا لا فرق "، زممت شفتي وأنا أفكر بطريقة اقطع فيها الرباط المقدس بيننا، قبل أن اهز لها رأسي أن تكمل :" التوقف النهائي عن أحاديث السياسة، لا اخبار، أو متابعة للجبهات المفتوحة او تلك التي لم تكتفي من الإستراحة، لن نأتي مطلقاً على ذكر المفاوضات أو غريفث، لا حرب بعد اليوم، عملية فورمات كامل  لذاكرتنا حتى اربع سنوات مضت، وإن اضطررنا لمحو جميع ذكرياتنا لآخر رمق "، ..

 

تلفت حولي باحثة عن أي شي ثقيل بزوايا حادة لالقيه على جبينها، من المؤسف فقداني للمنشار الكهربائي فقد كان وجوده مفيداً، مثل " نور المتفائلة" لا تحتاج لمحو ذاكرتها، فذلك يتم تلقائياً دون أي مجهود، كيف لها أن تنسى تكرارها لهذا العرض السخيف لأكثر ١٤٦٠ مرة على الأقل منذ نشوب الحرب، فما الجديد الذي تطرحه اليوم، وقد كانت جميع اقتراحاتها فاشلة ومخيبة للآمال!..

 

نُجبر كثيرا على تحمل سخافات الغير ، فلماذا نزيدها بسخافة ما تلقيه أنفسنا علينا؟!..

 

لم تنتظر اعتراضي واكملت: " منذ هذا النهار سوف نملاء فراغات حياتنا بالمحبة، نحن بحاجة لمشاعر الحب، جميعنا في أمس الحاجة اليها، أكاد اجزم بأن اهم أسباب قيام الحرب هو فقداننا للحب ومشاعره"، اكملت الإستماع إلى نور المتفائلة الهائمة وأنا أحاول اخفاء سخريتي، فبرغم سخافة ما تقول، إلا أن موضوع كالذي طرحته لا يخلو من تشويق!..

 

رفعت حاجبي متسائلة :" الى اين هذه المرة ؟!'، أجابت بثقة :" مفاجأة !"..

 

لم تنتظر تبديل ثيابي أو تسريح شعري المنكوش بل أمسكت بكفي على عجلة لتختفي جدارن حجرتي الباردة الصغيرة، وتتحول إلى مساحة شاسعة من حديقة خضراء لا حدود لجمالها، رائحة الأزهار المنعشة تعطر الجو، أعشاش العصافير  على أفرع الأغصان تنبىء بصيصان مغردة محتمية فيها، نافورة مائية خلابة بألوان فسيفساء الفيروزية المتدرجة تتساقط بغنج ساحر، وكنت مع نور المتفائلة نقف على ممر حجري منقوش يشق تلك الحديقة الى مجهول، بدأنا بعبوره لنصل الى ما يحمله من مفاجأت..

 

مع تقدم خطواتي يزداد شعوري بالاحراج وقد لاحظت عدم تناسق قطعتي بيجامتي والوانها، "ما سنقابله أو من"، سيكون مهندما وانيق كهذا المحيط، ابطأت من دعساتي لأخفف من طرقعة الشبشب الذي ارتديه، وتلفت حولي قبل أن أبلل أطراف أصابعي بريقي لمحاولة تشذيب شعري الذي صمم على وقفة الكبرياء التي استيقظ عليها، وعضضت على شفتي بشدة حتى كدت أن ادميها لاضيف لها بعض من لون وردي..

 

صادفنا عبر الممر ذكر طاووس بالوانه الزاهية ينظر الينا بطرف عينه بازدراء، ربما اقتلع بعض من ريشاته في طريق عودتي لازين بها حجرتي، لا يهم عدم وجود وعاء يحملها، " قلص كبير" كفيل بذلك، حاولت استدراج" نور المتفائلة" التي تسبقني بخطوات، ومعرفة ما يحوى نهاية الطريق الا أنها أجابت:" لا تفسدي مفاجأتي يا نوررررر"، أعلم أنني ونور نحمل ذات نغمة الصوت الا أن ذلك لا يمنع شعور الاستفزاز الذي يصيبني حين أسمع حرف الراء الصادر منها، فلترحمني السماء حتى نهاية رحلتنا ..

 

تسللت إلى أسماعنا نغمات اوتار عود رقيقة قبل أن يطل قصر مهيب كان متخفيا بحذر خلف أشجار الحديقة الوارفة، كل ما حولي بديع، قريب للجنة الموعودة، إلا أن الجنة لن تأتي بسهولة انتقالي عبر قبضة يد نور المتفائلة، ابتسمت بدهاء وانا اهتف :" وجدتها "، لم تدر نور رأسها نحوي لعلمها أن ذكائي الحاد قد يكون احرق مفاجاتها، فما حولي ليس بعيد عن اسبانيا بين آواخر القرن الأول، حتى النصف الثاني من القرن التاسع!!..

 

أنا في الأندلس بنسبة تقارب المليون في المائة وسأجد نفسي بعد لحظات مباشرة أمام ابن زيدون وهو يتغزل بولادة " حبيبة القلب" ويبث لها من خلال ابياته لوعته وشغفه:.

 

ما سرّح الدّمع من عيني وأطلقه

 

إلاّ اعتياد أسى في القلب مسجونِ

 

صبراً! لعلّ الذي بالبعدِ أمرضني

 

بالقربِ يوماً يداوِيني، فيشفيني

 

لم أكد احرك شفتي بأبيات إبن زيدون، حتى أفسد الجو نواح نسائي، " ليس لمثل الأميرة ولَادة أن تنوح!! " قلت في نفسي، متداركة ما حولي وقد اقتربنا من مصدره ونحن نعبر بوابة القصر المفتوحة !..

 

لحظات قليلة وضحت بعدها الرؤية في صالة استقبال القصر، ما أن لمحتها حتى عرفت شخصية المرأة الباكية، أنها تلك الممثلة السورية التي لا أعرف إسمها، في مشهد قريب لذلك المسلسل التاريخي السوري الذي لم أتابعه والدائرة أحداثه كما توقعت  في الاندلس، ادرت رقبتي في أنحاء القصر المفتوحة بحثاً عن بطل المسلسل  " تيم حسن " الذي لا يمكن لأحد نسيانه، وهو يؤدي دور رجل الدولة القوي" صاحب تعز " محمد ابن أبي عامر!!

 

لعله في غرفة تبديل الملابس وسيظهر في  اي لحظة، أعدت محاولتي الفاشلة في تهذيب ملابسي، قبل أن تعود موجة بكاء جديدة للانفجار!..

 

لا تتوقف النساء عن الدراما حتى خلف الكاميرات!!،  كانت تجلس على الأرض كنائحة مستأجرة تلطم خديها وتصرخ بين لطمة وأخرى" الخائن الغشاش"!!..

 

أصبت بصدمة، يبدو أننا قد وصلنا متاخرين ونحن في نهاية الأحداث، ولا وجود لتيم حسن بكل تأكيد، لسنا في قصر الحكم بل بين جدران المنفى الذي حبست فيه" صبح البشكنجية" أو"  أورورا " محظية الخليفة الحكم المستنصر بالله، و أم ولديه عبد الرحمن و هشام، والوصية على عرش الخلافة..

 

غمرني شعور بالشماتة وأنا أجد " نور المتفائلة " تلقي بنفسها على " صبح " وتشاركها البكاء، وانا أرقص لها حاجباي خفية، واتمتم ساخرة " القانون لا يحمي المغفلين "، لا يحمينا الحب أيضاً من مواجهة الحروب، بل لعل عيونه العمياء تقودنا إليها وإلى أسوأ منها!!.

 

جلست بجوارهما وقد بدى لي أن أجواء الكآبة ستطول، لامد يدي لصحن نحاسي ملئ بما لذ وطاب، " لم يتغير سعر العملة اذن، ولم تفقد صبح  راتبها"، ابتلعت من الاطباق المرصوصة عليه دون أن ابالي بالرجيم الذي لم يبدأ بعد، بينما استمرت صبح ونور المتفائلة تبكيان نعش حب أناني وعرش ملك ضائع، لم يبق لها منهما سوى قصة عشق مخلدة على صفحات بعض كتب!!

 

فجأة شعرت بالاسف، لقد نالت صبح بعض من أبيات بليغة، ذكرى لن تنساها بحلوها وبمرارتها، على العكس منا نحن اليمنيين، أضعنا بلادنا بذنب خطيئة مخجلة، لن نتجرأ على تدوينها ولا نستحق ذلك، ما الذي يمكننا أن نبرىء به أنفسنا تجاة خطيئة الشراهة التي أطاحت بالبلاد، البطون والكروش الواسعة لمن يسمون بالسياسيين والوجهاء" جعل لهم السم "..

 

أفواه جراد ابتلعت الاخضر واليابس ولم تدرك أنها بشراهتها تقرض خارطة اليمن معها، نظرت للمائدة وقد فقدت شهيتي، ولم ابحث كالعادة عن قدح قهوة واكتفيت بشراب بارد من منقوع الزيزفون المختلط بماء الورد المصفى، حتى تمسح نور دموعها وتستعد للخروج.

 

عادت طرقات شبشبي تضرب أرضية الممر بتباهي بينما أنادي بصوت أملس:" أين أنت أيها الطاؤوس، أحمل لك مفااااجااااأة"، نكست نور التي لم تعد متفائلة برأسها مع حروفي التي نكزتها، وحثتني بالإسراع قبل أن تسأل: " هل من رجاء قريب في فتح جبهة نهم ؟! "، هززت رأسي بعلامة استفهام لا تحمل جواب وعدنا من رحلتنا..

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص